ظلال بيت الهمسات

ظلال بيت الهمسات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ظلال بيت الهمسات

في أطراف المدينة، حيث تنتهي أضواء الشوارع وتطغى الشجيرات الكثيفة، يقف "بيت الهمسات". لم يكن مجرد منزل قديم مهجور، بل كان أثرًا لشيء لم يستطع الزمان محوه. يبتعد عنه الجميع، فالكبار يحذرون منه، والصغار يروون عنه قصصًا في ليالي الصيف، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس... باستثناء "سامي".

كان سامي فتى يحب تحدي الخوف، ولا يؤمن بالخرافات. في ليلة خريفية باردة، تسللت الرياح بين الأشجار بصوت يشبه العويل. وقف أمام البوابة الحديدية الصدئة، وضغط على حافتها لتنفتح بصوت صرير حاد كسر صمت الليل.

عندما خطى داخل الفناء، شعر فجأة ببرودة غير طبيعية تهبط على صدره، وكأن الهواء أثقل مما ينبغي. كانت الجدران العالية للمنزل تتآكل، والنوافذ المكسورة تبدو كعيون سوداء فارغة ترقبه من الأعلى. حمل كشافه الضوئي ودخل عبر الباب الأمامي الشبه مفتوح.

داخل المنزل، كان الغبار يغطي كل شيء. الخشب تحت قدميه ينز محذراً مع كل خطوة: كراك... كراك. تسللت رائحة الرطوبة والعفن إلى أنفه، لكن ما أدخل الرعب في قلبه حقاً هو الهدوء. لم يكن هدوءًا عاديًا، بل كان صمتًا ثقيلاً، وكأن المكان نفسه يحبس أنفاسه ينتظر شيئًا ما.

وجه سامي ضوء الكشاف نحو الجدران، فرأى صورًا عائلية قديمة، لكن وجوه الأشخاص فيها كانت ممسوحة كأنها كُشطت بأداة حادة. وفجأة، انطفأ الكشاف.

حل الظلام الدامس.

توقف سامي في مكانه، وضرب الكشاف على يده ليعمل مجددًا. عاد الضوء يرفرف بضعفات، وفي تلك اللحظة بالذات، سمع الصوت.

لم يكن صوت رياح، ولا صوت خشب يتحرك. كان صوت أنفاس متقطعة، تأتي من الزاوية المظلمة في أقصى الغرفة.

تجمد الدماء في عروقه. رفع الكشاف ببطء نحو مصدر الصوت. سلّط الضوء على الزاوية، لكنه لم يرَ شيئاً سوى الظلال. تنفس ببطء محاولاً إقناع نفسه بأنه يتخيل، ولكن حينما همّ بالتراجع خطوة إلى الخلف، سمع همسًا واضحًا قادمًا من خلف أذنه مباشرة: "لماذا أبطأت؟ لقد كنا ننتظرك..."

التفت سامي بسرعة والرعب يعصر قلبه، لكنه لم يجد أحدًا. سقط الكشاف من يده واستقر على الأرض، ملقيًا بقعة ضوء نحيف على الباب الرئيسي. ورأى هناك ما جعل روحه ترتعد: ظل رجل طويل جدًا، بأطراف غير طبيعية، يقف بينه وبين الخروج.

لم يكن للظل وجه، بل كان مجرد سواد متجسد يمتد نحو السقف. بدأ الظل يتحرك نحوه ببطء شديد، دون أن يصدر أي صوت خطى.

سقط سامي على ركبتيه، محاولاً الصراخ، لكن صوته اختفى في حنجرته. طارده الشعور بأن المنزل ليس مجرد مكان، بل هو كائن حقيقي يستدرج ضحاياه إلى الداخل، ليصبحوا جزءًا من ظلامه الأبدي.

في الصباح التالي، كانت البوابة الحديدية مغلقة تمامًا، والكشاف الضوئي ملقى على العشب الخارجي. أما سامي... فلم يره أحد بعد تلك الليلة، وظل "بيت الهمسات" ينتظر زائرًا جديدًا.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

10

متابعهم

7

متابعهم

10

مقالات مشابة
-