الطرقات التي لا تنتهي
الطرقات التي لا تنتهي

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ليلًا عندما عاد آدم إلى قريته الصغيرة بعد غياب طويل. كانت القرية هادئة بشكل غريب، والمنازل مغلقة، والمصابيح القليلة المعلقة على أعمدة الشوارع تومض بين لحظة وأخرى.
وأثناء سيره نحو منزل عائلته، لاحظ شيئًا لم يكن موجودًا في النهار.
كان هناك طريق ضيق بين الأشجار، لم يتذكر أنه رآه من قبل.
توقف آدم للحظات ونظر إليه. كان الطريق مظلمًا، وفي نهايته ظهر ضوء خافت يشبه ضوء مصباح قديم.
قال لنفسه:
“غريب... الطريق ده مكنش هنا.”
قرر أن يكمل طريقه، لكنه سمع صوتًا خلفه.
“آدم...”
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
شعر بقشعريرة تسري في جسده، فأسرع نحو المنزل.
في صباح اليوم التالي، سأل جاره العجوز عن الطريق، فتغير وجه الرجل فجأة.
قال بصوت منخفض:
“إوعى تروح هناك بعد نص الليل.”
سأله آدم: “ليه؟”
صمت الرجل طويلًا، ثم قال:
“الطريق ده اختفى من سنين... ومن يدخل فيه بعد منتصف الليل، مش دايمًا بيرجع.”
ضحك آدم محاولًا إخفاء خوفه، لكنه لم يستطع نسيان الكلام.
وفي الليلة التالية، عاد الفضول ليغلبه.
خرج من منزله قبل منتصف الليل بقليل، وانتظر حتى دقت الساعة الثانية عشرة.
ظهر الطريق مرة أخرى.
هذه المرة، كان الضوء في نهايته أوضح.
دخل آدم بين الأشجار.
كلما تقدم، شعر أن أصوات القرية تختفي خلفه. لم يعد يسمع الرياح ولا أصوات الحيوانات. فقط خطواته... وصوت آخر يسير خلفه.
توقف.
توقفت الخطوات.
مشى.
فعادت الخطوات.
استدار فجأة، فلم ير أحدًا.
واصل السير حتى وصل إلى منزل قديم مهجور. كان الباب مفتوحًا، ومن الداخل خرج ضوء أصفر ضعيف.
دخل آدم.
وجد غرفة مليئة بالصور القديمة.
اقترب من إحدى الصور، فتجمد في مكانه.
كانت الصورة تجمع مجموعة من أهل القرية أمام المنزل نفسه.
وفي الصف الأخير، رأى رجلًا يشبهه تمامًا.
لكن الصورة كانت تحمل تاريخًا يعود إلى أكثر من خمسين عامًا.
سمع صوتًا خلفه:
“اتأخرت يا آدم.”
استدار ببطء.
كان العجوز الذي حذره في الصباح واقفًا عند الباب.
قال آدم: “إنت كنت عارف؟”
ابتسم العجوز ابتسامة غريبة.
“كل واحد من عيلتك بييجي هنا مرة.”
تراجع آدم خطوة.
“ليه؟”
أشار العجوز إلى الصور وقال:
“علشان يعرف الحقيقة.”
اقترب آدم من صورة أخرى، فوجد صورة لأبيه عندما كان شابًا.
وبجواره كان نفس الرجل الذي ظهر في الصورة الأولى.
قال العجوز:
“أبوك دخل الطريق ده من ثلاثين سنة... ومن يومها عمره ما خرج.”
ارتجف آدم وقال: “بس أبويا مات من خمس سنين!”
ضحك العجوز.
وفجأة انطفأ الضوء.
ساد الظلام.
ثم سمع آدم صوت أبيه من خلفه:
“متصدقش أي حاجة بيقولها.”
التفت، لكنه لم ير أحدًا.
بدأ الباب يُغلق ببطء.
ركض آدم نحوه، لكن الطريق الذي جاء منه لم يعد موجودًا.
كان أمامه فقط ممر طويل مظلم.
ومن آخره ظهر ضوء خافت، ثم سمع عشرات الأصوات تنادي باسمه.
في تلك اللحظة فهم الحقيقة.
الطريق لم يكن يقود إلى القرية.
الطريق كان يقود إلى من اختفوا فيها.
ومنذ تلك الليلة، لم يرَ أحد آدم مرة أخرى.
لكن أهل القرية يقولون إن الطريق يظهر أحيانًا بعد منتصف الليل.
وإذا وقفت عند بدايته طويلًا، يمكنك سماع صوت شاب يهمس من بين الأشجار:
“ارجع... قبل ما يشوفوك.”