الغرفة التي لا تنام

الغرفة التي لا تنام

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الغرفة التي لا تنام

الغرفة التي لا تنام

لم يكن ياسين يؤمن بالأشباح.

كان يرى أن كل قصة عن منزل مسكون أو أصوات غامضة أو أشخاص يظهرون في منتصف الليل ليست سوى مبالغات اخترعها الناس ليخيفوا بعضهم البعض. وحتى عندما كان طفلًا، لم يكن يخاف من الظلام، ولا من النوم وحده، ولا من الأصوات التي كانت تصدر أحيانًا من الطابق العلوي في منزل جدته.

لكن هناك شيئًا واحدًا لم يستطع تفسيره طوال حياته.

الغرفة الأخيرة.

كانت في نهاية الممر بالطابق الثاني، بابها خشبي قديم، مطلي باللون البني الداكن، وفي منتصفه قفل حديدي صدئ. لم يسمح أحد لياسين بدخولها، ولم يكن أحد يتحدث عنها.

عندما كان يسأل جدته:

"إيه اللي جوه الأوضة دي؟"

كانت تنظر إليه للحظات، ثم تقول بهدوء غريب:

"مفيش حاجة."

لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا ما.

بعد وفاة جدته، اضطر ياسين للعودة إلى المنزل القديم لإنهاء بعض الأوراق والاستعداد لبيعه. وصل في المساء، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء يضرب نوافذ المنزل كأن أحدًا يحاول الدخول.

فتح الباب بصعوبة.

رائحة الرطوبة والغبار ملأت المكان.

وضع حقيبته في غرفة المعيشة، وأشعل الأنوار، لكن المصباح الرئيسي لم يعمل. حاول تشغيله أكثر من مرة، ثم قرر استخدام مصباح هاتفه.

كان المنزل مختلفًا ليلًا.

أكبر.

وأكثر ظلمة.

في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، استيقظ ياسين على صوت واضح.

طرق.

ثلاث طرقات.

توقفت لحظة.

ثم ثلاث طرقات أخرى.

فتح عينيه ببطء.

كان الصوت قادمًا من الطابق الثاني.

جلس على السرير محاولًا إقناع نفسه بأن الرياح هي السبب.

ثم سمعها مرة أخرى.

دق... دق... دق.

نهض من مكانه.

أمسك هاتفه وصعد السلم.

كل درجة كانت تصدر صريرًا مزعجًا تحت قدميه.

وعندما وصل إلى الممر، توقف.

كان الصوت يأتي من نهاية الممر.

من الغرفة المغلقة.

اقترب منها.

ثم سمع شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.

صوت امرأة من خلف الباب.

كانت تهمس:

"ياسين..."

تراجع خطوة.

لم يتحرك.

ثم جاء الهمس مرة أخرى:

"ياسين... افتح الباب."

لم يكن صوت جدته.

لكنه كان صوتًا يعرفه.

كان صوت أمه.

المشكلة أن أمه كانت قد توفيت قبل سبع سنوات.

وقف ياسين أمام الباب غير قادر على الحركة.

ثم لاحظ شيئًا غريبًا.

القفل الحديدي الذي ظل مغلقًا طوال عشرين عامًا كان مفتوحًا.

مد يده إلى المقبض.

وتردد.

كان عقله يصرخ فيه أن يهرب.

لكنه فتح الباب.

صرير طويل مزق الصمت.

كانت الغرفة مظلمة تمامًا.

رفع هاتفه وأضاء المصباح.

لم يكن هناك أثاث.

فقط كرسي خشبي في منتصف الغرفة.

وعلى الكرسي جهاز تسجيل قديم.

اقترب منه.

بجانبه شريط كاسيت صغير، وعلى الشريط ورقة مكتوب عليها بخط جدته:

"لا تسمعه بعد منتصف الليل."

نظر ياسين إلى الساعة.

كانت الثالثة إلا خمس دقائق.

ابتلع ريقه.

ثم سمع صوتًا خلفه.

"متأخر."

استدار بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

أغلق الباب وخرج مسرعًا.

لكنه عندما وصل إلى غرفته، وجد جهاز التسجيل فوق سريره.

تراجع مذعورًا.

لم يكن قد أخذه معه.

ظل ينظر إليه لثوانٍ، ثم بدأ الجهاز بالعمل وحده.

صدر منه صوت تشويش.

ثم جاء صوت جدته.

"لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مت."

صمتت للحظة.

ثم تابعت:

"كان لازم أقولك الحقيقة من زمان."

جلس ياسين على الأرض.

"الغرفة دي مش أوضة عادية. أبوك كان بيقول إنها بتحتفظ بأصوات الناس اللي ماتوا."

توقف التسجيل.

ثم عاد للعمل.

لكن هذه المرة لم يكن صوت جدته.

كان صوت أمه.

"ياسين... متصدقش جدتك."

تجمد مكانه.

بدأ التسجيل يكرر أصواتًا كثيرة.

أصوات رجال.

نساء.

أطفال.

كلهم ينادون اسمه.

ثم ظهر صوت لم يعرفه.

صوت رجل عجوز قال:

"هي مش بتحبس أصوات الموتى."

توقف لحظة.

"هي بتحبس الناس."

انطفأ جهاز التسجيل.

وفي نفس اللحظة، انقطعت الكهرباء عن المنزل بالكامل.

سمع ياسين حركة في الممر.

ثم خطوات.

بطيئة.

تقترب من غرفته.

خطوة.

ثم أخرى.

ثم توقفت أمام الباب.

لم يتنفس.

بدأ مقبض الباب يتحرك.

مرة.

مرتين.

ثم فتح الباب ببطء.

ظهرت امرأة واقفة في الظلام.

كانت ترتدي نفس ملابس أمه التي كانت ترتديها يوم وفاتها.

لكن وجهها كان مغطى بشعر طويل.

رفع ياسين الهاتف بيد مرتعشة وسلط الضوء عليها.

رفعت المرأة رأسها.

لم يكن لها وجه.

فقط جلد أبيض أملس.

ثم قالت بصوت أمه:

"أخيرًا رجعت."

صرخ ياسين وهرب من النافذة.

سقط في الحديقة، وركض نحو البوابة دون أن ينظر خلفه.

وعندما وصل إلى الشارع، أخرج هاتفه واتصل بالشرطة.

بعد دقائق، جاءت سيارة الشرطة، ودخل الضباط المنزل.

لم يجدوا أحدًا.

ولا جهاز تسجيل.

ولا أي أثر للمرأة.

لكن أحد الضباط وجد شيئًا غريبًا في الغرفة المغلقة.

على الحائط كانت هناك عشرات الصور القديمة.

صور لأشخاص عاشوا في المنزل عبر السنوات.

وفي آخر صورة...

كانت صورة لياسين.

وهو طفل في السابعة من عمره.

لكن الصورة لم تكن قديمة.

كان ياسين متأكدًا من ذلك.

فقد كان يرتدي فيها نفس الملابس التي كان يرتديها تلك الليلة.

وفي أسفل الصورة كتب بخط غير معروف:

"الضيف الأخير."

غادر ياسين المنزل ولم يعد إليه أبدًا.

تم بيعه بعد عدة أشهر.

لكن بعد عام، تلقى ياسين رسالة بلا اسم مرسل.

داخلها كانت صورة للمنزل.

وفي نافذة الطابق الثاني ظهرت امرأة تقف خلف الزجاج.

وتحت الصورة جملة واحدة:

"الغرفة لم تعد مغلقة."

ومنذ ذلك اليوم، أصبح ياسين ينام والأنوار مضاءة.

ليس لأنه يخاف من الظلام.

بل لأنه في كل ليلة، وقبل أن يغفو مباشرة، يسمع ثلاث طرقات تأتي من داخل خزانة ملابسه.

دق... دق... دق.

ثم صوت أمه يهمس:

"ياسين..."

"افتح الباب."

والأسوأ من ذلك كله...

أنه في إحدى الليالي فتحه.

ولم يجد أحدًا.

فقط وجد ممرًا طويلًا ومظلمًا خلف الخزانة.

ممرًا لم يكن موجودًا في شقته من قبل.

وفي نهايته...

كان هناك باب خشبي بني.

وبجانبه قفل حديدي صدئ.

والباب كان يُطرق من الداخل.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حسن محمود حسن تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-