لعنة "الظلال السبعة"

لعنة "الظلال السبعة"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about لعنة

لعنة “الظلال السبعة”

​كان مراد يعشق الكاميرات القديمة، ويرى فيها مخازن للزمن لا مجرد آلات لالتقاط الضوء. قبل أسبوع من زفاف صديقه المقرب، عثر في سوق العاديات على كاميرا ألمانية نادرة مصنوعة من النحاس الثقيل والخشب الداكن، تعود لحقبة الأربعينيات. كانت الكاميرا تحتوي على آلية تحميض فوري وتعديل تلقائي مبتكر في وقتها. لم يتردد مراد في شرائها، وقرر أن تكون هي أداته الخاصة لتوثيق ليلة العمر لصديقه، والتي أقيمت في قصر أثري قديم يقع عند أطراف البلدة الريفية المعزولة، وهو قصر دارت حوله شائعات كثيرة عن ملاكه القدامى الذين اختفوا في ظروف غامضة.

​عندما دخل مراد القصر، كانت الأجواء تبدو مثالية؛ الثريات الضخمة تدلي من السقوف العالية، الموسيقى تملأ الأرجاء، والضحكات تتعالى من كل زاوية. بدأ مراد يتحرك بين الحضور، يلتقط صوراً عفوية للضيوف وللعروسين، مستمتعاً بفضول الناس حول كاميرته الغريبة. انتظر خروج الصورة الفورية الأولى للعروسين وهم يرقصان في وسط القاعة. بدأت الألوان تتشكل ببطء تحت الضوء الخافت، لكن ملامح الفرح لم تكن الشيء الوحيد الذي ظهر.

​خلف العروسين تماماً، في المساحة الفارغة بينهما وبين الجدار الحجري القديم، ظهر ظل أسود كثيف وداكن جداً، ظل لامرأة نحيلة ترتدي رداءً قديماً ممزقاً، ولم يكن لها وجه واضح، بل مجرد فراغ مظلم يتدلى منه حبل مشنقة يلتف حول عنقها. فرك مراد عينيه ونظر إلى المكان الحقيقي؛ لم يكن هناك أحد خلفهما سوى الجدار العاري المضاء بالشموع. هز رأسه ظاناً أن هناك خللاً في الفيلم القديم أو انعكاساً غريباً للضوء بسبب قدم العدسة.

​حاول تناسي الأمر والتقط صورة أخرى لمجموعة من أصدقاء الدراسة وهم يضحكون ويرفعون كؤوسهم. تكرر الأمر ذاته، بل كان الرعب أشد؛ ظهرت ثلاثة ظلال مشوهة تتغلغل بين الأصدقاء، تضع أيديها الطويلة ذات الأصابع المدببة على أكتافهم، وأحد هذه الظلال كان يملك عينين مشعتين ببريق أبيض بارد، ينظر مباشرة وبشكل مرعب نحو عدسة الكاميرا، وكأنه يعلم أن مراد يراه.

​بدأ القلق ينهش أعصاب مراد، وشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى أطراف أصابعه رغم دفء القاعة. ابتعد عن صخب الأغاني وتوجه نحو الممر المظلم المؤدي إلى الغرف الخلفية للقصر ليفحص الكاميرا. وقف أمام مرآة كبيرة ذات إطار ذهبي صدئ، وقرر التقط صورة لنفسه ليرى إن كان العيب في الآلة أم في المحيطين به.

​انتظر ثواني التحميض التي بدأت تبدو كأنها دهور. ظهرت الصورة... وتجمد الدم في عروقه. خلف انعكاس جسده في الصورة، كان هناك سبعة ظلال كاملة، متراصة خلف بعضها كطابور من الموتى، والظل الأول والأقرب إليه كان يمد يده الطويلة المشوهة نحو عنق مراد في الصورة، وكأنه يوشك على خنقه.

​في تلك اللحظة بالذات، لم يعد الرعب حبيس الورق؛ شعر مراد بنسمة هواء باردة كالثلج تلامس مؤخرة عنقه، ورائحة تراب عفن وموت تفوح في الممر الضيق. التفت فجأة بذعر، لكن الممر كان خالياً تماماً. طأطأ رأسه ينظر إلى الأرض، وهنا كانت الصدمة الكبرى: ضوء الشموع القادم من القاعة كان يعكس ظله على الأرض، لكن ظله لم يكن واحداً... بل كان ينقسم ويتضاعف ببطء إلى سبعة ظلال سوداء تتحرك بشكل مستقل تماماً عن حركات جسده!

​أدرك مراد الحقيقة البشعة؛ الكاميرا لم تكن عاطلة، ولم تكن تلتقط الماضي، بل كانت بمثابة بوابة سحرية فتحت حبس الأرواح السبعة التي لقت حتفها في هذا القصر وتغذت على خوفه. ومع كل لقطة، كانت هذه الظلال تجد طريقاً للجسد الذي تم تصويره. حاول مراد بكل قوته إلقاء الكاميرا الثقيلة على الأرض لتحطيمها وإنهاء هذا الكابوس، لكن أصابعه تجمدت تماماً حول النحاس والخشب، وكأن يده أصبحت جزءاً من الآلة.

​فجأة، انطفأت الأنوار في القاعة المجاورة واحداً تلو الآخر، وتحول ضجيج الفرح والضحك فجأة إلى صرخات ذعر مكتومة، تلاها سكون تام ومريب. نظر مراد إلى الكاميرا في يده، فرأى عدستها تلمع وحدها في الظلام، وبدأت الظلال السبعة على الأرض تلتف حول قدميه، تسحبه ببطء نحو داخل المرآة، ليصبح هو الضحية الجديدة التي ستنتظر المصور القادم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود عدلي تقييم 5 من 5.
المقالات

17

متابعهم

12

متابعهم

0

مقالات مشابة
-