الطابق السابع... حيث لا يعود أحد كما كان
الفصل الثالث: الباب الذي لا يجب فتحه
لم أنم في تلك الليلة.
وضعت الصورة القديمة والدفتر الجلدي فوق الطاولة، ثم بقيت أحدق فيهما لساعات طويلة. كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء شديد، وكأن الزمن داخل الشقة أصبح أثقل من المعتاد. كلما حاولت إبعاد عيني عن الصورة، عاد بصري إليها من جديد، إلى وجه الحارس الذي بدا كما هو تمامًا، دون أن يمسه الزمن رغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا.
فتحت الدفتر مرة أخرى، وبدأت أقرأ الصفحات التي لم ألاحظها من قبل. كان الخط في البداية واضحًا ومنظمًا، ثم تحول تدريجيًا إلى كلمات متشابكة، وكأن الكاتب كان يفقد أعصابه مع مرور الأيام.
كتب في إحدى الصفحات:
"في البداية تسمع الخطوات... ثم تبدأ برؤية الظلال... وبعدها سيعرف اسمك."
توقفت عن القراءة.
كيف عرف كاتب الدفتر ما حدث معي؟ لقد سمعت الخطوات، ورأيت بصمة اليد، ووصلتني الرسالة المجهولة.
قلبت الصفحة التالية، فوجدت عبارة قصيرة كُتبت بعنف حتى كادت تخترق الورقة:
"إذا سمعت أحدًا يطرق باب شقتك في الثالثة فجرًا... فلا تفتح مهما سمعت."
في تلك اللحظة، نظرت إلى الساعة.
كانت تشير إلى الثانية وتسعٍ وخمسين دقيقة.
شعرت بأن الهواء داخل الغرفة أصبح باردًا على نحو غير طبيعي. حتى أن أنفاسي بدأت تظهر أمامي كأنني أقف في ليلة شتوية قاسية.
ثم...
انطفأت الكهرباء.
غرقت الشقة في ظلام دامس.
لم أسمع سوى صوت دقات الساعة.
تك...
تك...
تك...
ثم أعلنت الساعة الثالثة تمامًا.
وفي اللحظة نفسها...
طرق... طرق... طرق...
ثلاث طرقات هادئة على باب الشقة.
تجمدت في مكاني.
حاولت إقناع نفسي بأن أحد الجيران يحتاج إلى المساعدة، لكنني تذكرت ما قرأته قبل ثوانٍ.
تكرر الطرق.
لكن هذه المرة صاح صوت امرأة من خلف الباب:
"من فضلك... افتح بسرعة... إنه يلاحقني."
كان صوتها يرتجف من الخوف.
اقتربت ببطء من الباب، ونظرت عبر العين السحرية.
لم أرَ أحدًا.
كان الممر فارغًا تمامًا.
ابتعدت خطوة إلى الخلف، فإذا بالصوت يعود من جديد، لكنه أصبح أقرب:
"أرجوك... إنه يقف خلفي."
عدت لأنظر من العين السحرية.
الممر ما زال خاليًا.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
في نهاية الممر، قرب السلالم، ظهر ظل أسود طويل يقف بلا حراك.
لم أستطع تمييز ملامحه.
كان مجرد كتلة من الظلام، لكنها بدت أطول من أي إنسان طبيعي.
وفجأة...
رفع رأسه ببطء.
رغم المسافة البعيدة، شعرت بأنه ينظر إلي مباشرة.
قفزت مبتعدًا عن الباب، وبدأت أنفاسي تتسارع.
ثم جاء الصوت مرة ثالثة، لكن هذه المرة لم يكن صوت امرأة.
بل كان صوتي أنا.
سمعته بوضوح يقول:
"آدم... افتح الباب."
ارتجفت يداي.
كيف يمكن أن أسمع صوتي من الخارج؟
وضعت يدي على فمي دون وعي، وكأنني أتأكد أنني لم أتكلم.
تكرر الصوت:
"أنا في الخارج... افتح."
ثم بدأ يضحك.
لم تكن ضحكة بشرية.
كانت ضحكة منخفضة، متقطعة، تحمل شيئًا باردًا يجعل الدم يتجمد في العروق.
تذكرت عبارة الدفتر، فتراجعت إلى منتصف الغرفة، وأغلقت أذني بكلتا يدي.
استمر الطرق لدقائق طويلة، ثم توقف فجأة.
عاد الصمت.
وبعد ثوانٍ قليلة، عادت الكهرباء.
اقتربت بحذر من الباب.
كانت هناك ورقة بيضاء موضوعة على الأرض من الداخل.
تجمدت في مكاني.
كيف دخلت الورقة إلى الشقة بينما الباب لم يُفتح؟
انحنيت والتقطتها بيد مرتجفة.
لم يكن عليها سوى سطر واحد كُتب بحبر أحمر داكن:
"لقد نجوت الليلة... لكنه أصبح يعرف وجهك."
وفي اللحظة التي انتهيت فيها من قراءة الرسالة، سمعت صوت المصعد القديم يعمل لأول مرة منذ انتقلت إلى العمارة.
رفع المصعد إلى الأعلى ببطء...
وتوقف عند...
الطابق السابع.