التردد المفقود: محطة 98.4
التردد المفقود: محطة 98.4
تُعتبر وردية منتصف الليل في استوديو الراديو مكاناً مثالياً للشعور بالعزلة. الصوت الوحيد الذي يرافقك هو أزيز الأجهزة، وصوت الأوراق، وضباب الاستوديو المعزول تماماً عن العالم الخارجي. كنت أعمل كمذيع لبرنامج ليلي يتلقى اتصالات المستمعين، وفي الساعة الثانية صباحاً، أضاء الهاتف المباشر في الاستوديو برقم غريب لا يحمل أي ترميز محلي.
ضغظت على زر الاستقبال وقدمت تحيتي المعتادة: "أهلاً بك في البث المباشر، من معنا؟"
لم يأتِ الرد فوراً، بل ساد صمت ثقيل تتخلله التشويشات اللاسلكية التقليدية. ثم جاء صوت هادئ، يرتجف ببرودة غير طبيعية: "أنا أسمعك من غرفة البث الجانبية... المكان بارد جداً هنا."
بتلقائية، ابتسمت وظننت أن أحد فنيي الصوت يمزح معي من الاستوديو المبتعد في نهاية الممر، لكنني تذكرت فوراً أنني الشخص الوحيد المتواجد في المبنى بالكامل الليلة، وباب المبنى الرئيسي مغلق بسلاسل الأمن.
قلت محاولاً الحفاظ على هدوئي: "عذراً يا صديقي، الاستوديو الجانبي مغلق منذ عام 1984 بعد الحريق الشهير، أعد الاتصال بنا عندما تتأكد من مكانك."
جاء الرد سريعاً وصارماً، وبصوت يتداخل فيه وشيش استاتيكي حاد: "لم يغلق البث يوماً... نحن فقط لم نجد من يستمع إلينا. التفت إلى اليسار."
تجمدت في مكاني. كانت الغرفة الجانبية تفصلها عني نافذة زجاجية سميكة عازلة للصوت، ومظلمة بالكامل. التفتُّ ببطء نحو الزجاج، ولم أرَ في البداية سوى انعكاس وجهي المجهد تحت ضوء الميكروفون الأحمر. لكن مع وميض خفيف في إضاءة المبنى، لاحظت ظلاً عريضاً تقف ملامحه ملاصقة تماماً للزجاج من الناحية المظلمة.
ارتفعت أنفاسي، وأردت قطع الاتصال، لكن يدي رفضت التحرك كأنها مفلوجة. تصاعد صوت التردد عبر سماعات أذني ليصبح صريحاً وملموساً: "كلما تحدثت عبر الميكروفون، يقل الفراغ بيننا... الصوت جسر، وأنت تبنيه الآن."
على لوحة التحكم أمامي، بدأت المؤشرات الصوتية (VU Meters) تقفز إلى أقصى الخط الأحمر دون أن أتكلم، وكأن هناك صراخاً هائلاً يُبث في الغرفة دون أن تسمعه أذناي بشكل مباشر. بدأ الزجاج الفاصل بيننا يفرز طبقة رقيقة من الجليد، وظهرت عليه بصمات يد بيضاء ناصعة تحاول الدفع للخارج.
انطفأت شاشات الأجهزة واحدة تلو الأخرى، وساد الظلام الدامس باستثناء الضوء الأحمر لكلمة "ON AIR". سمعت صوت مقبض باب الاستوديو الخاص بي ينخفض ببطء شديد، ورائحة الدخان والرماد تتسرب من تحت الباب.
أدركت في تلك اللحظة الرهيبة أن الموجات اللاسلكية لم تكن تنقل الصوت فقط، بل كانت تستدعي أجساداً احترقت في هذا المكان منذ عقود، تتغذى على ترددات أجهزة البث لتعود إلى عالم الأحياء.
عندما وصل حارس الأمن في الصباح الباكر، وجد برنامج الراديو ما زال يبث صوتاً مكرراً لوشيش عالي التردد، بينما كانت غرفة التقديم فارغة تماماً، والميكروفون يتدلى من السقف، وعلى الطاولة رُسمت دائرة بالرماد الداكن في منتصفها كتب كلمة واحدة: "شكراً على الاستضافة."