همسات من الخلف: اللعنة التي لم ينطق بها أحد
همسات من الخلف: اللعنة التي لم ينطق بها أحد

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل عندما قرر يونس فحص الصندوق الخشبي الذي أهداه إياه جده قبل وفاته. لم يكن الصندوق مزخرفاً، بل كان يحمل طابعاً قديماً ورائحة تشبه غبار العصور المنسية. عند فتحه، لم يجد سوى دفتر مذكرات بغلاف جلدي داكن، ورقعة ورقية صغيرة كُتب عليها بخط يد مضطرب: “لا تقرأ بصوت مرتفع، فالصمت هو جدارك الوحيد.”
تجاهل يونس التحذير بدافع الفضول البشري المعتاد. فتح الصفحات الأولى ليجد رموزاً غريبة ونصوصاً بلغة غير مفهومة. وبمجرد أن تمتم بأول كلمة، انطفأت شمعة الغرفة فجأة، ورنّ صمت ثقيل لم يعهده من قبل، صمت يجعلك تسمع دقات قلبك وكأنها طبل حربي.
شعور بالبرودة الخاطفة سرى في أرجاء الغرفة، وأصبح الهواء ثقيلاً وصعب التنفس. نظر يونس نحو المرآة المعلقة على الجدار الفاصل بين الغرفة والممر. لم يكن انعكاسه هناك مجرد صورة، بل كان يتضمن ظلاً إضافياً يقف خلف كتفه الأيسر مباشرة.
استدار يونس بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
عاد بنظره إلى المرآة، فإذا بالظل يقترب خطوة أخرى. اختفى صوت الرياح الخارجية، وتوقفت أجهزة البيت عن التكتكة. بدا وكأن الزمان قد تجمد، باستثناء ذلك الكيان الذي يبدو أنه يحسب كل ثانية للاقتراب أكثر.
حاول يونس إغلاق الدفتر، لكن أطرافه أصبحت ثقيلة وكأنها مصبوبة من حديد. هنا، سمع الهمس. لم يكن الصوت قادماً من الأذن، بل كان يتردد داخل رأسه مباشرة، صوت أجش، يقطع الأنفاس:
“لقد فتحت الباب.. والآن حان دورك للتنحي.”
بقيت عيناه معلقتين بصفحات الكتاب. أدرك أن الشيء الوحيد الذي يمنع الكيان من التجسد الكلي هو الحفاظ على هدوء أنفاسه وعم النطق بأي كلمة أخرى. تجمد في مكانه، وصور الأفكار تتصارع في ذهنه. كان يرى عبر الانعكاس يدين ذات أظافر طويلة وتمتدان ببطء نحو رقبته.
بأقصى ما يمتلك من قوة إرادة، أغمض يونس عينيه، وأمسك بغلاف الدفتر بأطراف أصابعه المرتجفة، ثم أغلقه بقوة.
عادت الكهرباء فجأة، واشتغلت الأجهزة من جديد. تنفس يونس بصعوبة وكأنه خرج للتو من تحت الماء. لكن عندما نظر إلى المرآة مرة أخرى، وجد خطاً أسود صغيراً مكتوباً على زجاجها من الداخل: “أنا أقرب مما تتظن
تمر الأيام ولا يزال يونس يستشعر تلك البرودة التي لا تفارقه، حتى في أشد أيام الصيف حرارة. أصبح يتجنب النظر في أي مرآة أو سطح عاكس، خوفاً من رؤية ذلك الظل وهو يبتسم له بتشفٍ. الدفتر الملعون اختفى تماماً من فوق المكتب، وكأنه لم يكن موجوداً من الأساس، لكن أثره بقي محفوراً في زوايا الغرفة. في كل ليلة عند حلول الثانية عشرة، يتوقف صوت العالم من حوله، ويبدأ الهمس الخافت بالتردد في أذنيه مجدداً، مذكراً إياه بأن الباب الذي أُفتح لا يمكن إغلاقه أبداً، وأن الدور القادم سيكون عليه
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق