لعنة الساحرة السوداء

لعنة الساحرة السوداء
منذ أكثر من مئة عام، كان أهل قرية صغيرة يعيشون بجوار غابة كثيفة لا تصل إليها أشعة الشمس إلا نادرًا.
كانت الغابة تُسمى غابة الظلال.
وكان الجميع يخافون منها.
لم يكن السبب الحيوانات المفترسة أو الأشجار الكثيفة، بل الأسطورة القديمة التي تقول إن ساحرة سوداء تعيش في أعماقها.
كان اسمها أورينا.
يقول أهل القرية إنها ظهرت منذ زمن بعيد، وكانت تستخدم السحر الأسود لإخافة الناس.
وفي كل خمسين عامًا، كانت تعود إلى القرية لتأخذ شخصًا واحدًا.
ولهذا، عندما اقتربت الذكرى الخمسون، بدأ الخوف ينتشر بين السكان.
كانت ريم فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تعيش مع أختها الصغيرة ليان وجدتهما.
لم تكن ريم تصدق قصة الساحرة.
كانت ترى أن أهل القرية يخافون من شيء لم يروه بأعينهم.
لكن جدتها كانت دائمًا تحذرها.
قالت لها:
“لو سمعتي صوت حد بيناديكي من الغابة، مهما كان الصوت مألوف... مترديش.”
ضحكت ريم.
“ولو كان صوتك إنتِ؟”
أجابتها الجدة:
“خصوصًا لو كان صوتي.”
في ليلة اكتمال القمر، استيقظت ريم على صوت ليان.
كانت أختها تناديها من خارج المنزل.
فتحت ريم عينيها بسرعة.
“ليان؟”
لم تجدها في الغرفة.
ركضت إلى الباب.
وجدته مفتوحًا.
خرجت إلى الخارج.
كانت ليان تقف بعيدًا عند بداية الطريق المؤدي إلى الغابة.
صرخت ريم:
“ليان! استني!”
التفتت ليان.
لكنها لم تقل شيئًا.
ثم دخلت الغابة.
ركضت ريم خلفها.
وبمجرد أن وصلت إلى أول الأشجار، اختفت ليان.
نادتها ريم.
لا إجابة.
ثم سمعت صوتًا من بين الأشجار:
“ارجعي.”
كان صوت جدتها.
تذكرت تحذيرها.
لم تتحرك.
ثم ظهر صوت آخر.
كان صوت ليان:
“ريم... أنا هنا.”
اتبعت الصوت.
حتى وصلت إلى مكان لم تره من قبل.
كانت هناك قلعة سوداء ضخمة بين الأشجار.
وفوق بابها كانت توجد علامة على شكل هلال.
فتح الباب وحده.
دخلت ريم.
وجدت ليان جالسة على كرسي حجري.
وبجانبها وقفت امرأة طويلة ترتدي فستانًا أسود.
شعرها أبيض طويل، وعيناها تلمعان بلون فضي.
قالت:
“وصلتِ أخيرًا.”
صرخت ريم:
“سيبي أختي!”
ابتسمت المرأة.
“لم آخذها.”
“أمال ليه هنا؟”
أجابت:
“هي التي جاءت إليّ.”
نظرت ريم إلى ليان.
كانت ليان هادئة بشكل غريب.
قالت:
“أنا سمعت صوتها.”
أشارت إلى الساحرة.
“قالت إنها تعرف ماما.”
توقفت ريم.
كانت والدتهما قد توفيت قبل سنوات.
قالت للساحرة:
“إنتِ تعرفي أمي؟”
أجابت:
“أعرف الحقيقة التي أخفاها عنكِ الجميع.”
ثم رفعت يدها.
ظهر ضوء في الهواء.
رأت ريم صورة قديمة لوالدتها.
كانت تقف أمام القلعة نفسها.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت تقف بجانب الساحرة.
تراجعت ريم.
“مستحيل.”
قالت أورينا:
“أمك لم تكن ضحية اللعنة.”
“كانت جزءًا منها.”
بدأت الساحرة تحكي.
قبل مئة عام، لم تكن أورينا شريرة.
كانت حارسة للغابة.
وكانت مهمتها حماية شجرة قديمة في وسطها، تحمل قوة سحرية هائلة.
لكن أهل القرية اكتشفوا سر الشجرة.
حاولوا قطعها والاستيلاء على قوتها.
قاتلتهم أورينا.
وفي النهاية، استخدمت سحرًا قويًا لحماية الشجرة.
لكن السحر انقلب عليها.
تحولت إلى ما سماه الناس بعد ذلك:
الساحرة السوداء.
قالت ريم:
“واللعنة؟”
أجابت أورينا:
“لم ألعن القرية.”
ثم نظرت إلى ليان.
“القرية هي التي لعنت نفسها.”
لم تفهم ريم.
قالت الساحرة:
“كل خمسين عامًا، يجب أن يعود شخص من نسل العائلة التي خانتني إلى الغابة.”
نظرت ريم إلى أختها.
“يعني ليان؟”
هزت أورينا رأسها.
“لا.”
ثم نظرت إلى ريم.
“أنتِ.”
شعرت ريم بالصدمة.
“أنا؟”
قالت الساحرة:
“أمك كانت تعرف.”
ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا.
فتحته.
وجدت ريم داخله قلادة كانت لأمها.
قالت أورينا:
“أمك جاءت إلى هنا قبل وفاتها.”
سألت ريم:
“ليه؟”
أجابت:
“لأنها أرادت إنهاء اللعنة.”
“وقد فشلت.”
سكتت ريم.
ثم قالت:
“إزاي أنهيها؟”
أشارت أورينا إلى باب خلفها.
“في الغرفة الأخيرة توجد الشجرة.”
دخلت ريم.
كانت الغرفة ضخمة.
وفي منتصفها كانت توجد شجرة سوداء، لكن على أغصانها مئات الزهور البيضاء.
قالت الساحرة:
“هناك طريقة واحدة لإنهاء اللعنة.”
سألت ريم:
“إيه هي؟”
قالت:
“يجب أن تختاري.”
“إما أن تأخذي قوة الشجرة وتصبحي حارسة جديدة...”
“أو تحرري الساحرة.”
نظرت ريم إليها.
“ولو حررتك؟”
قالت أورينا:
“سأموت.”
صمتت ريم.
كانت أمام اختيار مستحيل.
إذا أصبحت حارسة، ستعيش في الغابة إلى الأبد.
وإذا حررت الساحرة، ستفقد المرأة التي أنقذت أختها حياتها.
اقتربت ريم من الشجرة.
وضعت يدها عليها.
فسمعت صوت أمها.
“لا تخافي.”
بدأت الزهور البيضاء تضيء.
فهمت ريم فجأة أن أمها لم تفشل.
كانت قد تركت لها الاختيار.
لم تختار ريم القوة.
اختارت الحرية.
نزعت القلادة من رقبتها ووضعتها على جذع الشجرة.
انفجر ضوء قوي.
صرخت أورينا.
ثم بدأ جسدها يتحول إلى ذرات ضوء.
قالت ريم:
“أنا آسفة.”
ابتسمت الساحرة.
“لا تعتذري.”
ثم قالت:
“أمك كانت تعرف أنك ستختارين الطريق الصحيح.”
اختفت أورينا.
وسقطت الشجرة.
لكن بدلًا من أن تتحول إلى رماد، تحولت إلى آلاف الفراشات البيضاء.
خرجت الفراشات من القلعة وانتشرت فوق الغابة.
وفي اللحظة نفسها، اختفت كل الأشجار السوداء.
وعاد ضوء القمر إلى المكان.
خرجت ريم وليان من الغابة.
وعندما عادتا إلى القرية، لم يصدق أحد ما حدث.
لكن في صباح اليوم التالي، ظهرت مئات الزهور البيضاء حول القرية.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يخاف من الغابة.
أما ريم، فاحتفظت بسر واحد.
كل ليلة، عندما تنظر إلى القمر، ترى امرأة ذات شعر أبيض تقف بين الأشجار.
لا تخيفها.
ولا تقترب منها.
فقط تبتسم.
وفي إحدى الليالي، وجدت ريم ورقة صغيرة أمام باب منزلها.
كان مكتوبًا عليها:
“اللعنة انتهت... لكن السحر لم ينتهِ.”
رفعت ريم رأسها نحو الغابة.
وفي أعماقها، أضاءت شجرة واحدة.
لم تكن سوداء هذه المرة.
كانت بيضاء.
وعرفت ريم أن قصة الساحرة السوداء لم تنتهِ…
بل بدأت من جديد.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق