المرآة ذات الإطار النحاسي

المرآة ذات الإطار النحاسي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about المرآة ذات الإطار النحاسيالمرآة ذات الإطار النحاسي

 

لم أكن أؤمن يوماً بالخرافات أو بالقصص الشائعة عن الأغراض المسكونة، حتى اليوم الذي انتقلت فيه إلى شقتي الجديدة في إحدى البنايات الكلاسيكية القديمة وسط العاصمة. كانت الشقة عالية السقف، بنوافذ خشبية طالها البهتان، وتفوح منها رائحة الخشب القديم والورق المحترق. في زاوية الصالة، كانت تقف مرآة بيضاوية ضخمة بإطار نحاسي مزخرف بأشكال نبتات متسلقة. أخبرني مالك البناية أنها قطعة أثرية يعود تاريخها لأكثر من قرن، وأنها تتطلب عناية خاصة.

في الليلة الأولى، وبعد يوم شاق من نقل الصناديق وتعديل الأثاث، وقفت أمام المرآة لأغسل وجهي بالماء البارد. أزلت قطرات الماء عن عينيّ ورفعت رأسي لأتحقق من مظهري. وهنا كانت بداية الكابوس.

أدركت شيئاً غير طبيعي؛ الانعكاس لم يرفع رأسه معي في المليمتر الأخير، بل تأخر لجزء من الثانية. أغمضت عينيّ بحدة وهززت رأسي، فاستقر الانعكاس مجدداً متطابقاً مع حركتي. أقنعت نفسي بأن الأمر لا يعدو كونه إرهاقاً ذهنيًا وإجهاداً للعينين بعد يوم طويل، وذهبت للنوم.

لكن في الليلة التالية، لم يعد الأمر مجرد وهم بصري. كنت أقف أمام المرآة أربط رابطة عنقي استعداداً للخروج، حين لاحظت أن يد الانعكاس توقفت تماماً عن الحركة بينما كانت يداي الحقيقيتان تستمران في الربط! تجمدت في مكاني والبرودة تسري في عظامي. أملت رأسي ببطء إلى اليمين، لكن الانعكاس ظل ينظر إلى الأمام مباشرة بجمود تام.

وفجأة، ابتسم الانعكاس! لم تكن ابتسامتي؛ بل كانت ابتسامة عريضة، غير بشرية، تتمدد فيها الشفاه حتى أطراف الوجنتين بشكل مرعب ومائل.

سقطت تراجعاً على الأرض، وشهقت بذهول وأنا أراقب انعكاسي يرفع يده ليضع أصبعه على شفتيه مشيراً بـ "هسسس". ثم لمحت شيئاً آخر داخل الزجاج؛ في زاوية الغرفة خلف انعكاسي، لم تكن زاوية الغرفة فارغة كما هي في الواقع، بل كان هناك جسد ضخم يتمدد يسحب نفسه من السقف، بطول يسد الفراغ، وعيون بيضاء فارغة تماماً تدور حول نفسها.

بدأ الزجاج بالاهتزاز الخفيف، وتصاعد صوت كسر بارد، كأن شيئاً ينقر على الزجاج من الداخل ليبحث عن مخرج. حاولت الصراخ أو الجري نحو باب الشقة، لكن الظلال في الغرفة بدأت تتمدد وتتصل بقدمي كأنها قطران أسود لزج يمنعني من الحركة.

اقترب الجسد الظلي في المرآة من زجاج الشاشة، ووضع كفه العريضة الخالية من الأظافر على السطح الزجاجي الداخلي. شعرت ببرودة الصقيع تتسرب إلى الغرفة الفعلية، وبدأ ضباب بارد يخرج من الفراغات الدقيقة حافات الإطار النحاسي.

أدركت الحقيقة المروعة في تلك اللحظة: هذه المرآة لم تكن تعكس الواقع، بل كانت بوابة تفصل بين عالمنا وعالم آخر مظلم ينتظر الفرصة للدخول. والكيان الذي خلف الزجاج لم يكن يريد إخافتي، بل كان يستبدل مكاني معه، خطوة بخطوة، وثانية بثانية.

حين وصلت الشرطة بعد أيام بناءً على بلاغ من الجيران بسبب الصمت المريب، وجدوا الشقة فارغة تماماً. لم يكن هناك أثر لكسر الأبواب، سوى المرآة النحاسية ذاتها الملقاة على الأرض وهي مكسورة إلى نصفين، وفي الجزء الأكبر منها، انطبعت صورة رجل محبوس خلف الزجاج، يطرق بكفيه بأسى يطلب النجدة، دون أن يصدر أي صوت.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Youssef Tamer تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-