السجن المسكون: آخر ليلة للحارس

السجن المسكون: آخر ليلة للحارس
في نهاية طريق صحراوي مهجور، بعيدًا عن المدينة بعشرات الكيلومترات، كان يقف سجن قديم يعرفه أهل المنطقة باسم "سجن الوادي الأسود". لم يكن السجن مستخدمًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لكن الناس ظلوا يتحدثون عنه وكأنه ما زال يحتفظ بأسراره خلف أبوابه الحديدية الصدئة. كانت هناك حكايات كثيرة عن أصوات تأتي من داخله بعد منتصف الليل، وعن أضواء تظهر في نوافذه رغم انقطاع الكهرباء عنه منذ زمن طويل، وعن حراس دخلوا إليه ولم يخرجوا مرة أخرى. بالطبع، لم يكن أحد يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الخرافة، لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد: لا تقترب من السجن بعد غروب الشمس. ومع ذلك، لم يكن "سليم" يؤمن بهذه القصص. كان شابًا في بداية الثلاثينيات، يعمل حارسًا ليليًا، ويبحث عن أي فرصة توفر له مالًا إضافيًا. وفي أحد الأيام، عرض عليه رجل يُدعى "مراد" مبلغًا كبيرًا مقابل مهمة بسيطة: قضاء ليلة واحدة داخل السجن القديم، ومراقبة البوابة الرئيسية والتأكد من أن المكان لم يتعرض للسرقة. أخبره مراد أن هناك مستثمرين يفكرون في شراء الأرض وتحويلها إلى مشروع جديد، وأنهم يحتاجون إلى شخص يتأكد من سلامة المكان. تردد سليم للحظات عندما سمع اسم السجن، لكنه وافق في النهاية. وفي مساء اليوم التالي، وصل بسيارته أمام البوابة الحديدية الضخمة. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والريح تحرك الرمال حول المكان بطريقة جعلت السجن يبدو وكأنه يتنفس. أخرج سليم المفتاح الذي أعطاه له مراد، وفتح الباب بصعوبة. قبل أن يدخل، نظر إلى المبنى المظلم وقال ساخرًا: "يعني إيه؟ شوية حكايات قديمة وهخاف؟" ثم دخل وأغلق البوابة خلفه، من دون أن يدرك أن تلك اللحظة كانت بداية أسوأ ليلة في حياته.
في البداية، لم يحدث شيء غريب. أضاء سليم مصباحه اليدوي، وبدأ يتجول في الممر الرئيسي. كانت الجدران مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار، والأبواب الحديدية لأجنحة السجناء مفتوحة جزئيًا، وكأن المكان تم إخلاؤه على عجل. وجد غرفة صغيرة بالقرب من المدخل تحتوي على مكتب قديم وكرسي مكسور، فقرر أن يجعلها مكانًا للجلوس. وبينما كان يضع حقيبته، لاحظ ساعة حائط متوقفة عند الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة. حاول تحريك عقاربها، لكنها لم تتحرك. قال لنفسه إنها مجرد ساعة قديمة، ثم أخرج هاتفه ليتصل بمراد، لكنه اكتشف أن شبكة الهاتف لا تعمل. لم يهتم كثيرًا، فقد كان يعرف أن المنطقة نائية. جلس لبعض الوقت، ثم بدأ يسمع صوتًا خافتًا في الممر. كان يشبه صوت خطوات بطيئة. رفع رأسه وانتظر. توقف الصوت. بعد دقائق عاد مرة أخرى، لكن هذه المرة كان أقرب. نهض سليم وأمسك المصباح، وخرج إلى الممر. لم يجد أحدًا. مرر الضوء على الأبواب واحدًا تلو الآخر، فلم ير شيئًا. عاد إلى الغرفة، لكن عندما دخل لاحظ شيئًا جعل قلبه يتوقف للحظة. كان الكرسي الذي تركه بجوار المكتب قد تحرك إلى منتصف الغرفة. اقترب منه بحذر، ثم ضحك محاولًا إقناع نفسه بأن الرياح هي السبب. إلا أن النوافذ كانت مغلقة بإحكام. وفي تمام الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة، توقفت ساعة يده فجأة، رغم أنها كانت تعمل قبل لحظات. في اللحظة نفسها، سمع صوتًا واضحًا يأتي من نهاية الممر: "افتح الباب..." تجمد سليم في مكانه. لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه كان واضحًا جدًا، وكأنه صدر من شخص يقف خلفه مباشرة. استدار بسرعة، ولم يجد أحدًا. ثم سمع الصوت مرة أخرى: "افتح الباب..." هذه المرة كان آتيًا من إحدى الزنزانات. اقترب سليم منها، ووجه مصباحه إلى الداخل، فوجدها فارغة. كانت هناك فقط جدران متشققة وسرير حديدي قديم. وبينما كان على وشك المغادرة، سمع صوت احتكاك خفيف من داخل الزنزانة، ثم ظهرت على الجدار كلمات كأن أحدًا يكتبها بإصبعه فوق الغبار: "لا تتركه يدخل."
بدأ الخوف يتسلل إلى قلب سليم، لكنه حاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا لكل شيء. ربما كان هناك شخص يتسلل إلى السجن ويختبئ في مكان ما. وربما كان أحدهم يحاول إخافته. لذلك قرر تفتيش المبنى بالكامل. أخذ مصباحًا أقوى من حقيبته، وبدأ في المرور على الممرات والغرف القديمة. كلما ابتعد عن المدخل، أصبح الهواء أكثر برودة. وفي الطابق السفلي وجد غرفة سجلات مهجورة. كان الباب مقفولًا، لكن المفتاح الذي أعطاه له مراد فتحه بسهولة. دخل سليم، ووجد عشرات الملفات القديمة متناثرة على الأرض. بدأ يقلب الأوراق بدافع الفضول، حتى عثر على ملف يحمل اسم السجن وتاريخ إغلاقه. كانت أغلب الصفحات تالفة، لكن صفحة واحدة ظلت واضحة. قرأ فيها أن السجن شهد حادثة غريبة قبل إغلاقه بأسابيع. في إحدى الليالي، اختفى عدد من السجناء من زنازينهم دون أن تظهر أي علامة على هروبهم. وبعدها بدأ الحراس يسمعون أصواتًا من الجناح الشرقي، رغم أنه كان مغلقًا تمامًا. الملف ذكر أيضًا أن آخر مدير للسجن أصدر أمرًا بمنع أي شخص من فتح الزنزانة رقم 13. شعر سليم بقشعريرة عندما قرأ الرقم، لأنه تذكر الساعة المتوقفة عند الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة. وبينما كان يقلب الصفحة، سقطت صورة قديمة من الملف. التقطها ونظر إليها تحت ضوء المصباح. كانت صورة جماعية لحراس السجن وموظفيه. في الخلف، وقف رجل طويل يرتدي زي الحراس، لكن وجهه كان غير واضح بسبب الظل. قلب سليم الصورة ليجد تاريخًا مكتوبًا عليها. كانت الصورة ملتقطة قبل إغلاق السجن بيوم واحد. وفجأة سمع صوتًا خلفه. "أنت مش المفروض تكون هنا." استدار، فوجد رجلًا عجوزًا يقف عند الباب. كان يرتدي معطفًا قديمًا ويحمل مصباحًا صغيرًا. سأله سليم عن هويته، فأجابه الرجل بأنه كان حارسًا في السجن منذ سنوات طويلة. قال له: "اخرج من هنا قبل ما الساعة توصل لنفس الوقت." لم يفهم سليم كلامه، فسأله عن المقصود. لكن الرجل لم يجب. فقط أشار إلى الممر، وقال بصوت منخفض: "هو عرف إنك جيت."
ركض سليم خلف الرجل عندما خرج من غرفة السجلات، لكنه اختفى عند أول منعطف. ناداه أكثر من مرة، ولم يحصل على رد. عاد إلى الغرفة ليأخذ حقيبته، فوجدها مفتوحة، وهاتفه موضوع فوق المكتب رغم أنه كان قد تركه داخل جيبه. أمسك الهاتف، فوجد تسجيلًا صوتيًا لم يتذكر أنه سجله. ضغط على زر التشغيل، فسمع صوته هو نفسه يقول: "أنا في الزنزانة رقم 13... لو حد سمع التسجيل ده، ما يفتحش الباب." توقف التسجيل. شعر سليم بأن الدماء تجمدت في عروقه. كيف يمكن أن يكون صوته موجودًا في تسجيل لم يسجله؟ والأسوأ من ذلك أن التسجيل ذكر الزنزانة رقم 13، رغم أنه لم يدخلها بعد. حاول الخروج من السجن، لكن عندما وصل إلى البوابة وجدها مغلقة من الداخل. المفتاح لم يعد يعمل. بدأ يطرق الباب ويصرخ، لكن الصحراء ابتلعت صوته. فجأة انطفأ مصباحه. وفي الظلام سمع خطوات تتحرك خلفه. خطوة... ثم خطوة أخرى... ثم توقفت. أضاء المصباح مرة أخرى، فلم يجد أحدًا. نظر إلى ساعته، فوجد أنها تشير إلى الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة. عندها سمع صوت الباب الحديدي للزنزانة رقم 13 يفتح في مكان بعيد. لم يعرف لماذا، لكنه شعر بأنه يجب أن يذهب إليها. سار في الممر الطويل، وكلما اقترب من الجناح الشرقي بدأت الأبواب من حوله تُغلق واحدًا تلو الآخر. عندما وصل إلى الزنزانة، وجد الباب مفتوحًا. في الداخل كان هناك كرسي وحيد، وعلى الحائط جملة محفورة: "كل حارس يدخل هنا يترك جزءًا منه خلفه." وبينما كان يقرأها، ظهر الرجل العجوز خلفه وقال: "دلوقتي فهمت ليه السجن اتقفل؟" استدار سليم، لكن وجه الرجل لم يعد وجه رجل عجوز. كان وجهه شاحبًا بلا ملامح واضحة. تراجع سليم مذعورًا، فسقطت الصورة القديمة من جيبه. نظر إليها مرة أخرى، واكتشف أن الرجل الذي كان يقف في الخلف لم يكن شخصًا غريبًا. كان هو نفسه، واقفًا بين الحراس، رغم أن الصورة عمرها أكثر من ثلاثين عامًا.
في تلك اللحظة، بدأ السجن كله يهتز وكأن شيئًا ضخمًا يتحرك تحت الأرض. انطفأت الأنوار القليلة الموجودة في الممر، وبدأت أصوات كثيرة تتحدث في وقت واحد. بعضها يطلب المساعدة، وبعضها يردد أسماء، وبعضها يضحك بهدوء. حاول سليم الهرب، لكنه وجد نفسه يعود إلى الزنزانة رقم 13 مهما كان الاتجاه الذي يسلكه. كل ممر كان ينتهي عند الباب نفسه. رأى أمامه الرجل العجوز مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم يتكلم. أشار فقط إلى الكرسي الموجود داخل الزنزانة. وعلى الكرسي وجد سليم دفترًا قديمًا. فتحه، وكانت الصفحة الأولى تحمل اسم أول حارس اختفى في السجن. ثم الصفحة الثانية تحمل اسم حارس آخر. وبعدها أسماء كثيرة، حتى وصل إلى آخر صفحة. كان الاسم المكتوب فيها هو: "سليم". تراجع خطوة، وسقط الدفتر من يده. حاول إقناع نفسه أن شخصًا ما وضع الاسم هناك قبل وصوله، لكن تاريخ الصفحة كان تاريخ الليلة نفسها. ثم بدأ يسمع صوتًا يأتي من خلف الجدار: "مكانك هنا." وضع يديه على أذنيه، لكنه ظل يسمع الصوت داخل رأسه. فجأة ظهرت أمامه صورة من الماضي. رأى السجن كما كان قبل ثلاثين عامًا، ورأى الحراس وهم يجرون رجلًا غريبًا نحو الزنزانة رقم 13. كان الرجل يصرخ ويقول إن السجن ليس مكانًا عاديًا، وإن هناك شيئًا يعيش في الجدران. ثم رأى مدير السجن يغلق الباب عليه. بعد ذلك بدأت أصوات الطرق من الداخل، واستمرت طوال الليل. وفي الصباح لم يكن هناك أحد داخل الزنزانة. اختفى الرجل تمامًا، لكن منذ تلك الليلة بدأ كل حارس يدخل الجناح الشرقي يسمع صوته. فهم سليم أن الحكايات لم تكن عن أرواح سجناء فقط، بل عن شيء غامض ظل مرتبطًا بالمكان، شيء لا يريد أحد أن يكتشف حقيقته. وبينما كان يحاول استيعاب ما يحدث، ظهر باب السجن الرئيسي أمامه فجأة. كان مفتوحًا. ركض سليم بكل قوته، ولم يلتفت خلفه. خرج إلى ساحة السجن، ثم وصل إلى سيارته وأدار المحرك. هذه المرة اشتغلت السيارة من أول محاولة. انطلق في الطريق دون أن يتوقف، وعندما ابتعد عدة كيلومترات نظر في المرآة. رأى السجن بعيدًا، ورأى عند بوابته رجلًا يقف ويراقبه. لم يستطع رؤية وجهه، لكنه كان متأكدًا أنه الرجل العجوز.
في صباح اليوم التالي، وصل سليم إلى المدينة وهو في حالة صدمة. ذهب مباشرة إلى المكان الذي أعطاه المهمة، لكنه فوجئ عندما اكتشف أن المكتب الذي قال له مراد إنه يعمل فيه مغلق منذ سنوات. سأل أصحاب المحلات المجاورة عنه، فأخبروه أن الرجل الذي يحمل هذا الاسم توفي قبل أكثر من عشرين عامًا. ظن سليم أنه أصبح ضحية لمقلب غريب، حتى أخرج الصورة القديمة من جيبه. لكنه عندما نظر إليها وجد شيئًا جديدًا. لم يعد هو واقفًا بين الحراس فقط، بل أصبح واقفًا أمام الزنزانة رقم 13، والرجال من حوله ينظرون إليه. عاد سليم إلى منزله، ولم يخبر أحدًا بما حدث. مرت عدة أيام، وحاول خلالها أن يعيش حياته بشكل طبيعي، لكنه بدأ يسمع كل ليلة صوت طرق يأتي من باب شقته. ثلاث طرقات فقط، ثم صمت. وفي إحدى الليالي، استيقظ على صوت الساعة في غرفته. كانت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة. نهض ببطء، ووجد على الحائط أمام سريره جملة مكتوبة فوق طبقة خفيفة من الغبار: "أنت خرجت من السجن... لكن السجن لم يخرج منك." حاول مسحها، لكنها اختفت بعد لحظات. ظن أن الكابوس انتهى، حتى جاءه اتصال من رقم مجهول. عندما أجاب، لم يسمع سوى صوت رجل عجوز يقول: "نسيت حاجة عندنا." ثم انقطع الاتصال. بعد دقائق، وصلته رسالة تحتوي على صورة. فتحها، فتوقف قلبه للحظة. كانت صورة للسجن من الداخل، وبداخل الزنزانة رقم 13 كان هناك كرسي فارغ. لكن الصورة لم تكن قديمة. في زاوية الصورة ظهر تاريخ اليوم نفسه. ومنذ ذلك اليوم، أصبح سليم يرفض الحديث عن تلك الليلة. لكنه كلما سُئل عن سبب تركه للعمل كحارس، كان يجيب بجملة واحدة: "في أماكن معينة، الباب لما يتفتح... مش دايمًا بيكون المقصود إنك تدخل. ساعات بيكون المقصود إن حاجة تخرج." أما سجن الوادي الأسود، فما زال واقفًا حتى الآن في نهاية الطريق الصحراوي. يقول سكان المنطقة إنهم يرون أحيانًا ضوءًا يتحرك خلف نوافذه بعد منتصف الليل. ويقول بعضهم إنهم يسمعون طرقات تأتي من الزنزانة رقم 13. لكن أغرب ما في الحكاية أن الحراس الذين يعملون بالقرب من المنطقة يؤكدون أنهم يرون أحيانًا رجلًا يقف أمام البوابة في منتصف الليل. رجل يرتدي زي حارس قديم، ويظل واقفًا دون حركة، وكأنه ينتظر شخصًا جديدًا يدخل. وإذا اقتربت منه، ستجد أنه لا يملك وجهًا واضحًا. فقط يرفع يده ببطء، ويشير إلى باب السجن... ثم تسمع من الداخل ثلاث طرقات متتالية.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق