البيت الذي لا يظهر في الصور

البيت الذي لا يظهر في الصور

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about البيت الذي لا يظهر في الصور

 

البيت الذي لا يظهر في الصور


ألمقدمة

في بيت مهجور لم تطأه قدم منذ سنوات، يدخل مصور عقارات لإنجاز مهمة بسيطة لا تستغرق أكثر من ساعة. لكن عندما تبدأ كاميرته في التقاط صور لأشياء لا يراها بعينيه، يكتشف أن المنزل يخفي سرًا مرعبًا، وأن كل صورة جديدة تقرّبه خطوة من مصير لم يكن مستعدًا لمواجهته.

 

كان «ياسين» يعمل مصورًا للعقارات منذ عدة سنوات، وكان يعتقد أن أكثر ما يمكن أن يواجهه في عمله هو منزل فوضوي أو عميل يطلب منه إعادة التصوير عشر مرات. لذلك عندما تلقى اتصالًا من مكتب عقارات يعرض عليه مبلغًا جيدًا مقابل تصوير منزل قديم مهجور في أطراف المدينة، لم يتردد كثيرًا. أخبره الموظف أن المنزل معروض للبيع، وأن المطلوب فقط مجموعة صور احترافية للغرف والحديقة والواجهة الخارجية. وقبل أن ينهي المكالمة، أضاف بنبرة غريبة: «المفتاح موجود في صندوق صغير بجوار الباب، لكن الأفضل تخلص التصوير قبل المغرب». ابتسم ياسين وظن أن الرجل يحاول فقط أن يبدو غامضًا، ثم حدد موعدًا في اليوم التالي. وصل إلى المنزل في العاشرة صباحًا، فوجد بناءً ضخمًا تحيط به أشجار جافة وأسوار عالية. كان المكان هادئًا بصورة غير طبيعية، حتى إن صوت السيارات البعيدة بدا وكأنه يأتي من عالم آخر. أخرج الكاميرا، وفتح الباب بالمفتاح، فاستقبله هواء بارد رغم أن الجو في الخارج كان دافئًا. كانت رائحة المنزل مزيجًا من الغبار والرطوبة والخشب القديم. أضاء ياسين مصباحه، ثم بدأ عمله كالمعتاد، فالتقط صورًا للمدخل، وغرفة المعيشة، والمطبخ، والسلم المؤدي إلى الطابق العلوي. لم يلاحظ شيئًا غريبًا في البداية، لكنه عندما التقط صورة للممر الطويل في الطابق الثاني، لمح على شاشة الكاميرا شيئًا جعله يتوقف. في نهاية الممر كان هناك شخص واقف بجوار باب مغلق. رفع ياسين رأسه بسرعة، فلم يجد أحدًا. أعاد النظر إلى الصورة، فوجد الشخص لا يزال هناك، طويلًا ونحيلًا، ويرتدي ملابس سوداء قديمة. قال لنفسه إن الأمر ربما مجرد ظل أو انعكاس، ثم انتقل إلى غرفة أخرى محاولًا تجاهل الموضوع.

بعد دقائق، بدأ الفضول ينتصر على خوفه، فعاد إلى الممر والتقط صورة جديدة من الزاوية نفسها. نظر إلى الشاشة، فتجمدت أصابعه فوق الكاميرا. الشخص الذي ظهر في الصورة لم يعد يقف عند نهاية الممر. كان أقرب. وقف هذه المرة أمام الباب مباشرة، ووجهه غير واضح، لكن رأسه كان مائلًا بطريقة غير طبيعية. شعر ياسين بقشعريرة، وأخذ يلتقط عدة صور متتالية ليتأكد أن المشكلة ليست في الكاميرا. الصورة الأولى أظهرت الرجل عند الباب، والثانية أظهرته في منتصف الممر، والثالثة جعلته أقرب بكثير. ثم ظهرت صورة رابعة لم يتذكر أنه التقطها أصلًا. كان فيها ياسين نفسه واقفًا أمام المرآة الموجودة في الصالة. لم يكن قد ذهب إلى الصالة منذ دقائق، ومع ذلك ظهرت صورته بوضوح شديد، وخلفه كان الشخص الأسود يقف على مسافة خطوات قليلة. أغلق ياسين الكاميرا فورًا، ثم نظر حوله. كان المنزل ساكنًا. لا أصوات، لا حركة، ولا أحد يمكن أن يكون خلفه. قرر أن ينهي المهمة ويغادر، لكنه عندما ضغط على مقبض الباب الرئيسي لم يتحرك. حاول مرة ثانية، ثم ثالثة، واستخدم كل قوته، دون فائدة. اتصل بمكتب العقارات، لكن الهاتف لم يلتقط أي إشارة. فتح هاتفه ليرى الوقت، فوجد أن الساعة توقفت عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة. وبينما كان يحاول استيعاب الأمر، سمع صوت نقرة صغيرة من الكاميرا الموضوعة على الطاولة. التقطت صورة جديدة وحدها.

فتح ياسين الصورة بيد مرتجفة. كانت الصورة تُظهره واقفًا أمام باب المنزل، لكن المنظر كان من الخارج، وكأن شخصًا يقف في الشارع ويصوره من النافذة. حدق فيها طويلًا، ثم رفع عينيه نحو النافذة القريبة. لم يرَ أحدًا. عاد إلى الصورة فوجد شيئًا أسوأ: النسخة الموجودة داخل الصورة لم تكن واقفة وحدها. كان الشخص الطويل يقف خلفها، واضعًا يده على كتفها. حاول ياسين إقناع نفسه بأنه مجرد انعكاس، لكن شيئًا آخر لفت انتباهه. في أسفل الصورة ظهر تاريخ لم يوافق تاريخ اليوم. كان التاريخ يعود إلى عام 2003. بحث بسرعة في ملفات الكاميرا، فاكتشف أن الصور الجديدة تحمل تواريخ مختلفة، وبعضها يعود إلى سنوات قديمة جدًا. والأغرب أن الصور لم تكن صورًا عادية للمنزل؛ كانت تسجل أحداثًا يبدو أنها وقعت فيه منذ سنوات. صورة لغرفة أطفال فارغة، صورة لامرأة تقف أمام المرآة، صورة لدرج مظلم، ثم صورة ليد ملطخة بالتراب تخرج من باب القبو. وبين الصور وجد صورة لرجل يشبهه بشدة. كان الرجل يحمل كاميرا من النوع نفسه، ويقف داخل المنزل أمام المرآة. فتح ياسين بيانات الصورة، فوجد اسم المصور: «سامح مراد». تذكر الاسم فجأة؛ فقد سمعه قبل سنوات من مصور قديم كان يعمل في المكتب نفسه، وقيل إنه اختفى أثناء تصوير منزل مهجور ولم يعثر أحد عليه بعد ذلك. بدأ ياسين يشعر بأن وجوده في البيت لم يكن صدفة. ربما كان المنزل لا يريد مجرد مصور، بل كان ينتظر شخصًا يحمل كاميرا.

قرر ياسين البحث عن القبو، خاصة بعد أن ظهرت صورته في إحدى الصور واقفًا أمام بابه. وجد مدخل القبو خلف المطبخ، وكان الباب مغطى بطبقة سميكة من الغبار. بمجرد أن اقترب منه، اشتغلت الكاميرا من تلقاء نفسها. التقطت صورة. نظر إليها، فرأى نفسه ينزل الدرج. التقطت صورة ثانية، فظهر وهو في منتصف السلم. ثم صورة ثالثة، وكان فيها واقفًا في نهاية القبو أمام باب حديدي. تراجع ياسين بسرعة، لكن صوتًا خافتًا جاء من أسفل الدرج: «كمل... أنت خلاص شفت البداية». لم يعرف من أين جاء الصوت، لكنه كان متأكدًا أنه لم يسمعه من الخارج. فتح باب القبو، ونزل رغم خوفه. كانت الجدران مغطاة بصور فوتوغرافية كثيرة، مئات الصور، وكلها لأشخاص دخلوا المنزل في أوقات مختلفة. بعضهم لم يكن يعرفه، وبعض الصور بدت حديثة بشكل مخيف. وبينها وجد صورًا له منذ لحظة وصوله. صورة وهو يفتح البوابة، وأخرى وهو يضع المفتاح في الباب، وثالثة وهو يلتقط أول صورة للممر. لم يعد السؤال كيف ظهرت الصور، بل من الذي كان يلتقطها. في نهاية القبو وجد طاولة قديمة فوقها كاميرا مغطاة بالغبار. وبجوارها ورقة صغيرة كتب عليها بخط مرتجف: «البيت لا يحتفظ بالأشخاص... البيت يحتفظ بصورهم». اقترب ياسين من الكاميرا، وفجأة ظهر انعكاس وجهه على عدستها. لكنه لم يكن يبتسم. كان يصرخ.

استدار ياسين، فلم يجد أحدًا، لكن الباب الحديدي خلفه انغلق بقوة. حاول فتحه دون جدوى. بدأت الكاميرا القديمة الموجودة على الطاولة تلتقط الصور وحدها، صورة بعد أخرى. في كل صورة كان ياسين يظهر في مكان مختلف من القبو، بينما الشخص الطويل يقترب منه. حاول تحطيم الكاميرا، لكنه توقف عندما رأى صورة جديدة تظهر على شاشة كاميرته الشخصية. كانت الصورة تُظهر القبو من الأعلى، وكان ياسين واقفًا في المنتصف. خلفه مباشرة وقف الرجل الأسود. هذه المرة كان وجهه واضحًا. كان وجه «سامح مراد»، المصور الذي اختفى قبل سنوات. فتح سامح فمه في الصورة، وكأن الصورة التقطت لحظة كلامه، ثم سمع ياسين صوته داخل القبو: «أنا دخلت هنا علشان أصور البيت... وبعدها اكتشفت إن كل صورة بتاخد جزء من صاحبها». سأل ياسين بصوت مرتجف: «وأنا أعمل إيه؟» جاءت الإجابة من خلفه: «ما تصورش الصورة الأخيرة». نظر إلى شاشة الكاميرا، فوجد عداد الصور يتغير من تلقاء نفسه. كانت هناك صورة واحدة فقط متبقية. وفجأة ظهر باب القبو مفتوحًا في نهاية الممر، مع أن الباب الحقيقي ظل مغلقًا. فهم ياسين أن الصورة التالية ربما كانت ستحدد مصيره. ألقى الكاميرا على الأرض، وأغلق عينيه، وبدأ يضرب الباب بكل قوته. وفي اللحظة التي كاد يفقد فيها الأمل، انفتح الباب فجأة. اندفع ياسين إلى الخارج، وصعد الدرج، وركض حتى وصل إلى الباب الرئيسي. هذه المرة انفتح بسهولة. خرج إلى الشارع دون أن يلتفت خلفه. وبمجرد أن ابتعد عن المنزل، عاد هاتفه للعمل، ووصلت إليه عشرات الرسائل والمكالمات الفائتة. كان آخر اتصال من مكتب العقارات. اتصل بهم فورًا، فجاءه صوت الموظف مذهولًا: «أنت فين؟ إحنا بقالنا يومين بنتصل بيك!»

عاد ياسين إلى منزله ولم يخبر أحدًا بما حدث. حاول حذف الصور الموجودة على الكاميرا، لكنه اكتشف أنها اختفت كلها، باستثناء صورة واحدة. كانت الصورة الأخيرة التي لم يلتقطها بيده. فتحها بحذر، فوجد نفسه واقفًا أمام المنزل، لكن هذه المرة كان ينظر إلى الكاميرا ويبتسم. خلفه كان البيت مظلمًا تمامًا، وفي إحدى نوافذه ظهر وجه سامح مراد. اعتقد ياسين أن الأمر انتهى، حتى وصلته بعد ثلاثة أيام رسالة إلكترونية من مكتب العقارات تحتوي على ملف الصور المطلوب تسليمه للعميل. فتح الملف، فوجد صور المنزل مرتبة بشكل طبيعي. الواجهة، الحديقة، الصالة، المطبخ، غرف النوم. كل شيء بدا عاديًا، إلى أن وصل إلى آخر صورة. كانت صورة لغرفة فارغة وبداخلها مرآة كبيرة. وقف ياسين أمام الشاشة عاجزًا عن الحركة. في المرآة لم يظهر انعكاس الغرفة، بل ظهر ياسين نفسه جالسًا داخل القبو، ووجهه شاحب، وكأنه يطلب النجدة. ثم ظهرت صورة جديدة في الملف دون أن يضغط أحد على شيء. كانت للمنزل من الخارج، ويقف أمامه رجل يحمل كاميرا. لم يكن الرجل سامح هذه المرة. كان ياسين. وبعدها وصلت صورة ثانية، وثالثة، ورابعة، وكل صورة كانت تُظهر الرجل يقترب أكثر من الباب. أدرك ياسين الحقيقة المرعبة: لقد خرج من المنزل بجسده، لكنه ترك شيئًا منه هناك. ومنذ ذلك اليوم، كلما فتح أحد ملف الصور الخاص بالمنزل المهجور، تظهر صورة جديدة لشخص يقف أمام بابه. ولا أحد يعرف من هو الشخص التالي. أما ياسين، فقد اختفى بعد أسبوع دون أن يترك أي أثر. الشيء الوحيد الذي وجدته الشرطة في شقته كان كاميرته فوق المكتب، وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها: «لو ظهرت صورتي في الكاميرا... أوعى تفتح الباب».
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
علي محسن محمد أمين تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

5

متابعهم

2

مقالات مشابة
-