الطابق السفلي الملعون

الطابق السفلي الملعون

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

image about الطابق السفلي الملعون

 

 

 الطابق السفلي الملعون

 

المقدمة

لم يكن مراد يتوقع أن شقة ورثها عن عمه ستقوده إلى سر مخيف مدفون تحت الأرض. خلف باب قديم ومغلق، اكتشف قبوًا غامضًا يحمل آثار جماعة سرية وطقوسًا مرعبة. لكن الأسوأ أن هناك من كان يراقبه منذ اللحظة الأولى التي فتح فيها الباب.

 

لم يكن «مراد» يؤمن بالحكايات التي تتحدث عن جماعات سرية تعبد الشياطين، وكان يرى أن معظم تلك القصص مجرد مبالغات تُروى لإخافة الناس. لذلك عندما ورث شقة قديمة من عمه الراحل، لم يهتم بما سمعه من الجيران عن أن عمه كان يعيش منعزلًا في سنواته الأخيرة. الشقة كانت في مبنى قديم بوسط المدينة، مهجورة منذ أكثر من عام، ولم يبقَ فيها سوى بعض الأثاث والكتب والصناديق المغطاة بالغبار. في أول ليلة دخل فيها مراد لترتيب المكان، لاحظ بابًا صغيرًا أسفل السلم يؤدي إلى الطابق السفلي. حاول فتحه، لكنه وجد القفل صدئًا. وبينما كان يبحث عن مفتاح مناسب، وجد ورقة صغيرة داخل درج قديم كتب عليها عمه بخط مرتجف: «لا تنزل إلى الأسفل مهما سمعت من أصوات». ابتسم مراد وهو يضع الورقة جانبًا، لكنه شعر لأول مرة أن المكان يخفي شيئًا لا يريد له أن يعرفه.

في اليوم التالي، عاد مراد ومعه أدوات لإصلاح الشقة. ظل الباب السفلي يشغل تفكيره، خصوصًا بعدما سمع ليلًا صوت طرق خافت يأتي من خلفه. في البداية ظن أن الصوت صادر عن أنابيب المياه، لكن الطرق تكرر بنمط منتظم: ثلاث طرق، ثم صمت، ثم ثلاث طرق أخرى. اقترب من الباب ووضع أذنه عليه. لم يسمع شيئًا، لكن عندما ابتعد، جاءه صوت واضح من الجانب الآخر: «مراد». تراجع بسرعة. كان الصوت يشبه صوت عمه تمامًا. حاول إقناع نفسه بأن التعب يجعله يتخيل الأشياء، لكنه قرر البحث عن المفتاح. وبعد ساعات من التفتيش، وجده داخل صندوق خشبي قديم في غرفة النوم. كان المفتاح أسود اللون وثقيلًا بصورة غير معتادة، وعلى رأسه رمز غريب محفور في المعدن. تردد طويلًا قبل أن يضعه في القفل، لكنه في النهاية استسلم لفضوله. انفتح الباب بسهولة، وخرجت منه رائحة هواء بارد عفن، كأن المكان ظل مغلقًا لسنوات طويلة.

نزل مراد درجات السلم ببطء، بينما كان مصباح صغير في يده يرتجف مع كل خطوة. وصل إلى ممر طويل تحيط به جدران مغطاة بعلامات ورموز غريبة. في نهاية الممر وجد غرفة واسعة، وفي وسطها طاولة دائرية قديمة، وحولها عدة كراسٍ. فوق الطاولة كانت هناك شموع سوداء مطفأة، ودفتر جلدي سميك. فتح مراد الدفتر فوجد صفحات مليئة بملاحظات عمه. لم تكن الملاحظات تتحدث عن أرواح أو أساطير، بل عن جماعة غامضة كان عمه قد اكتشف وجودها قبل سنوات. كتب أنه كان يتابع اختفاءات متكررة لأشخاص من المنطقة، وأنه اكتشف أن بعضهم كان مرتبطًا بجماعة سرية تؤمن بأن التواصل مع قوى شريرة سيمنح أفرادها نفوذًا وحماية. لكن عمه كتب في آخر الصفحات أن الأمر تجاوز مجرد معتقدات غريبة، وأن الجماعة كانت تستخدم المكان لعقد اجتماعات سرية وإرهاب من يكتشف أمرها. وقبل أن يكمل مراد القراءة، سمع صوت باب الشقة الرئيسي يغلق في الأعلى.

أطفأ مراد المصباح فورًا، وظل واقفًا في الظلام. سمع خطوات تتحرك فوقه، ثم خطوات أخرى على السلم المؤدي إلى القبو. كان هناك أكثر من شخص. حاول البحث عن مكان يختبئ فيه، فوجد غرفة صغيرة في جانب الممر واختبأ بداخلها. بعد لحظات، دخل ثلاثة أشخاص الغرفة الكبيرة. كانوا يرتدون ملابس داكنة، ويتحدثون بصوت منخفض. لم يستطع مراد رؤية وجوههم بوضوح، لكنه سمع أحدهم يقول: «كان المفروض إن المكان يفضل مغلق». رد آخر: «حد فتح الباب». ثم جاء صوت ثالث أكثر هدوءًا: «يبقى هو هنا». شعر مراد بالدم يتجمد في عروقه. لم يكن يعرف كيف عرفوا بوجوده، لكنه فهم أن هؤلاء الأشخاص ليسوا أشباحًا أو مخلوقات خارقة، بل أشخاص حقيقيون كانوا يستخدمون المكان لأعمالهم السرية. بدأ يبحث عن طريق آخر للخروج، حتى لمح بابًا صغيرًا خلف الستارة في نهاية الغرفة.

زحف مراد باتجاه الباب، محاولًا ألا يصدر أي صوت. فتحه بصعوبة، فوجد ممرًا ضيقًا يؤدي إلى درج صاعد. بدأ يتسلل إلى الأعلى، لكنه سمع صوتًا خلفه يقول: «متتعبش نفسك». توقف مكانه. التفت ببطء، فرأى أحد الرجال واقفًا عند بداية الدرج. كان يحمل مصباحًا، وملامحه جامدة. قال الرجل: «إحنا مش عايزين نأذيك، بس في حاجات شوفتها مينفعش تخرج من هنا». حاول مراد التراجع، لكن الرجل اقترب منه. في تلك اللحظة تذكر الدفتر الذي تركه في الغرفة، وفهم أن عمه ربما كان يعرف أنهم سيعودون يومًا ما. أخرج هاتفه سرًا وبدأ تسجيل الصوت، ثم دفع الرجل بكل قوته وركض نحو السلم. سمع صراخًا خلفه، لكنه لم يتوقف. وصل إلى الطابق الأرضي، وأخذ يبحث عن هاتفه ليطلب النجدة، لكنه اكتشف أن الشبكة لا تزال مقطوعة. حاول فتح الباب الرئيسي، فوجد أن القفل أُغلق من الخارج.

جلس مراد للحظات محاولًا التفكير. لم يكن أمامه سوى نافذة صغيرة في المطبخ، لكنها كانت محكمة الإغلاق. فجأة سمع طرقًا على الباب. ثلاث طرق. ثم صوت عمه: «مراد... افتح». تجمد في مكانه. كان عمه قد مات منذ أشهر، وكان صوته مستحيلًا أن يأتي من خلف الباب. تكرر الطرق، ثم تحول الصوت إلى همس غاضب: «افتح». أدرك مراد أن الأشخاص الموجودين في القبو ربما يحاولون خداعه، لكنه لم يقترب من الباب. بعد دقائق، سمع أصوات سيارات في الخارج. يبدو أن تسجيل الهاتف نجح في إرسال مقطع قصير عندما عادت الشبكة للحظات، وربما وصل إلى أحد معارفه. بدأ يصرخ ويطرق النوافذ بكل قوته، حتى سمع أصواتًا في الشارع. وبعد وقت قصير، وصلت الشرطة إلى المبنى. اقتحمت المكان وألقت القبض على ثلاثة أشخاص كانوا يحاولون الهرب من مخرج خلفي. لكن المفاجأة كانت أن القبو لم يكن فارغًا.

عندما نزلت الشرطة لتفتيشه، وجدوا غرفة الاجتماعات، والدفتر، وعددًا كبيرًا من الأوراق التي تثبت نشاط الجماعة وارتباطها باختفاء أشخاص في السنوات الماضية. لكنهم لم يجدوا أي دليل على وجود شيء خارق للطبيعة. قال أحد الضباط لمراد إن عمه ربما كان قد اكتشف الجماعة قبل وفاته، وإنه أخفى الأدلة في القبو خوفًا منهم. شعر مراد براحة مؤقتة؛ فقد اتضح أن وراء كل ما حدث أشخاصًا حقيقيين، وليس شياطين أو أرواحًا. وقبل أن يغادر، عاد إلى الغرفة للمرة الأخيرة لاستعادة الدفتر. فتح الصفحة الأخيرة، فوجد جملة لم تكن موجودة من قبل، مكتوبة بالحبر الأسود: «إذا كنت تقرأ هذا، فقد عرفوا أنك وجدت المكان». رفع مراد رأسه، فرأى انعكاسه في زجاج النافذة. كان واقفًا وحده، لكن خلفه ظهر ظل شخص طويل. استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا. وعندما نظر إلى الزجاج مرة أخرى، اختفى الظل. خرج من المبنى ولم يعد إليه أبدًا.

بعد أسابيع، قرر مراد بيع الشقة والتخلص من كل ما يربطه بالمكان. وبينما كان يراجع الملفات القديمة على جهاز الكمبيوتر، وجد تسجيلًا صوتيًا لم يتذكر أنه سجله. فتحه، فسمع أصوات الرجال الثلاثة داخل القبو، ثم سمع صوت عمه يتحدث معهم، رغم أن التسجيل مؤرخ بعد وفاة عمه بثلاثة أشهر. كان صوته واضحًا وهو يقول: «المشكلة مش في اللي بيؤمنوا بالشياطين... المشكلة في اللي بيستخدموا الخوف علشان يتحكموا في الناس». ثم ساد صمت طويل، تبعه صوت طرق خافت. ثلاث طرق. ثم ثلاث طرق أخرى. أغلق مراد التسجيل فورًا. وفي اللحظة نفسها، جاء الطرق من باب شقته.

لم يفتح الباب.

ظل واقفًا مكانه حتى توقف الصوت.

وعندما نظر إلى أسفل الباب، وجد ورقة سوداء انزلقت من الخارج.

لم يكن عليها سوى جملة واحدة:

«القبو اتقفل... لكن الحكاية لسه مفتحتش».
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
علي محسن محمد أمين تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

5

متابعهم

2

مقالات مشابة
-