الفندق الذي لا ينام

الفندق الذي لا ينام
مقدمة
في بعض الأماكن، لا تكون الجدران مجرد حجارة، ولا تكون الأبواب مجرد أبواب... هناك أماكن تحتفظ بأسرار كل من مرّ بها، وأحيانًا ترفض أن تسمح لهم بالرحيل.
كان فندق الليالي القديمة واحدًا من تلك الأماكن. فندق مهجور تحيط به الأساطير، يتحدث أهل المنطقة عنه بصوت منخفض، ويحذرون الغرباء من قضاء الليل داخله. يقولون إن من يدخل الفندق بعد منتصف الليل قد يسمع طرقًا على بابه، وقد يسمع اسمه يُنادى من خلف الجدران... والأسوأ من ذلك، أن بعض الذين دخلوا المكان لم يظهروا مرة أخرى.
لكن آدم لم يكن يؤمن بالخرافات. لم يكن يعرف أن الليلة التي سيقضيها داخل الفندق ستغير كل ما يعتقده عن الواقع، وأن الغرفة رقم 307 تخفي سرًا أقدم من الفندق نفسه.
فما الذي حدث داخل تلك الغرفة؟ ولماذا كان الفندق ينتظر آدم تحديدًا؟
الحكاية بدأت في ليلة ممطرة... عندما توقفت سيارة آدم أمام الفندق، دون أن يعرف أن دخوله إليه قد يكون أسهل قرار يتخذه في حياته... وأصعب قرار في الوقت نفسه.
لم يكن فندق الليالي القديمة يبدو مخيفًا من الخارج، رغم أن موقعه المنعزل بين الجبال جعل الوصول إليه أشبه برحلة إلى مكان نسيه الزمن. كان المبنى من خمسة طوابق، بواجهة حجرية داكنة ونوافذ طويلة يغطي بعضها الغبار. في ليلة شتوية ممطرة، وصل إليه آدم بعد أن تعطلت سيارته على الطريق، ولم يجد أمامه سوى الفندق ليقضي فيه الليل. استقبله رجل مسن عند مكتب الاستقبال، كان هادئًا بشكل غريب، وسلّمه مفتاح الغرفة رقم 307 قائلًا: "مهما سمعت الليلة... لا تفتح الباب." ابتسم آدم معتقدًا أن الرجل يمزح، لكنه لم يسأله عن السبب.
صعد آدم الدرج، ولاحظ أن الممرات كانت خالية تمامًا، رغم أن الفندق بدا وكأنه يستقبل بعض النزلاء. عندما وصل إلى غرفته، وجدها مرتبة بعناية، والساعة المعلقة على الحائط متوقفة عند الثالثة وسبع دقائق. وضع حقيبته على السرير، ثم حاول الاتصال بالطوارئ، لكن هاتفه لم يجد أي شبكة. وبينما كان يستعد للنوم، سمع طرقًا خفيفًا على الباب. ثلاث طرق متتالية... ثم صمت. اقترب من الباب وسأل: "مين؟" لم يجبه أحد. وبعد لحظات، جاء الطرق مرة أخرى، أقوى هذه المرة. تذكر كلام موظف الاستقبال، فتراجع عن الباب.
مرت دقائق طويلة، ثم سمع صوت امرأة من خلف الباب تقول بهدوء: "آدم... افتح، أنا محتاجة مساعدتك." تجمد في مكانه. لم يكن قد أخبر أحدًا في الفندق باسمه سوى الرجل العجوز. تكرر الصوت، لكنه هذه المرة بدا أقرب، وكأنه يهمس من داخل الغرفة نفسها. استدار آدم بسرعة، فلم يجد أحدًا. وفي اللحظة ذاتها انطفأت الأنوار، وبدأت الساعة القديمة تعمل من جديد. تحرك عقرباها ببطء حتى استقرا عند الثالثة وسبع دقائق، ثم صدر منها صوت رنين حاد.
في الصباح، حاول آدم مغادرة الفندق، لكنه اكتشف أن سيارته لم تعد موجودة في المكان الذي تركها فيه. عاد إلى الداخل وسأل موظف الاستقبال عنها، إلا أن الرجل العجوز نظر إليه باستغراب وقال: "سيارتك؟ أنت وصلت إلى هنا سيرًا على الأقدام." شعر آدم ببرودة تسري في جسده. أخرج هاتفه ليثبت له ما حدث، لكنه وجد أن الصور التي التقطها في الليلة السابقة قد اختفت. وحين سأل عن الغرفة 307، تغير وجه الرجل العجوز وقال: "الغرفة دي مش متاحة من سنين."
رفض آدم تصديق كلامه، وصعد إلى الطابق الثالث. كانت الغرفة 307 موجودة بالفعل، لكن بابها كان مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. فتحه بصعوبة، فوجد الغرفة خالية إلا من سرير قديم ومرآة كبيرة. وعلى الجدار المقابل كانت هناك عشرات الصور المعلقة لنزلاء الفندق. اقترب آدم من الصور واحدة تلو الأخرى، ثم توقف فجأة. كانت إحدى الصور تحمل تاريخًا يعود إلى عشرين عامًا مضت، وكان في منتصفها رجل يشبهه تمامًا. نفس الوجه... نفس الملابس... وحتى الحقيبة التي كان يحملها.
تراجع آدم خطوة، فسقطت خلفه ورقة قديمة. التقطها، وكانت عبارة عن سجل للنزلاء. بحث عن اسم الرجل الموجود في الصورة، فوجد اسمه مسجلًا بجوار الغرفة 307، وتحت الاسم ملاحظة قصيرة: "لم يغادر." عندها سمع صوت الباب يُغلق خلفه. حاول فتحه، لكنه لم يتحرك. ومن خلف المرآة جاء صوت خافت يقول: "أخيرًا رجعت." اقترب آدم من المرآة رغم خوفه، فرأى انعكاس الغرفة... لكنه لم ير نفسه.
بدلًا من ذلك، رأى ممر الفندق مليئًا بأشخاص يقفون في صمت، جميعهم ينظرون إليه. كان بينهم الرجل العجوز، وامرأة ترتدي فستانًا قديمًا، وشاب يحمل حقيبة سفر. ثم ظهر آدم نفسه في آخر الممر، واقفًا أمام باب الغرفة 307. رفع انعكاسه يده ببطء، وطرق على الباب ثلاث مرات.
تراجع آدم عن المرآة، وفجأة عادت الأنوار. وجد نفسه واقفًا في بهو الفندق، وحقيبته بجواره، وسيارته متوقفة أمام الباب كما لو لم يحدث شيء. خرج مسرعًا وقاد بعيدًا دون أن يلتفت خلفه. وبعد ساعات، وصل إلى أقرب مدينة، ودخل أحد المقاهي ليهدأ قليلًا. أخرج هاتفه ليتأكد من الوقت، فوجد صورة جديدة في معرض الصور لم يتذكر التقاطها.
كانت الصورة لواجهة فندق الليالي القديمة.
وفي نافذة الطابق الثالث، ظهرت هيئة رجل يقف خلف الزجاج.
كان يشبه آدم تمامًا.
أما أسفل الصورة، فظهر تاريخ اليوم... وتحت التاريخ جملة واحدة:
"ننتظرك الليلة القادمة في الغرفة 307."