الجنية التي أحبتني

الجنية التي أحبتني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about الجنية التي أحبتني
 

البداية: الهمسات في الظلام

كنت أعيش وحدي في بيت قديم ورثته عن جدي في قرية نائية. البيت كان يقع على أطراف العمران، قريبًا من أرض زراعية مهجورة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ليلًا.

في البداية، كانت مجرد أصوات خفيفة… همسات تتسلل عبر نافذتي كل ليلة عند الثالثة فجراً.


 

“سامي…”


 

كنت أستيقظ مفزوعًا، أفتح عيني على ظلام كثيف، وأحاول إقناع نفسي أن الأمر مجرد حلم. لكن الهمسات كانت تتكرر، بنفس النبرة الناعمة، الحزينة… وكأن صاحبتها تقف بجوار سريري مباشرة.


 

الأغرب أنني كنت أشعر بدفء غريب كلما سمعت الصوت. لم يكن مخيفًا بالكامل. كان أقرب إلى شوقٍ طويل.

 

الظهور الأول

في إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن القرية كلها. جلست في غرفتي على ضوء شمعة صغيرة، أستمع إلى صفير الرياح خارج النافذة. وفجأة… خمدت الشمعة وحدها.


 

تجمّد الدم في عروقي.


 

ظهر أمامي خيال أنثوي، يتكوّن ببطء من الضباب الفضي. كانت ملامحها غير واضحة، لكن عينيها كانتا تلمعان بلون أخضر باهت. شعرها الطويل يتحرك كأنه مغمور بالماء.


 

قالت بصوت يشبه الهمس الذي سمعته ليالٍ طويلة:

“لا تخف… أنا أحبك.”


 

لم أستطع الصراخ. لساني انعقد، وقلبي يخبط صدري بعنف. سألتها بصوت مرتجف:

“من أنتِ؟”


 

ابتسمت.

“كنت أراقبك منذ كنت طفلًا. أنت لا تتذكر… لكنني اخترتك.”


 

ثم اختفت كما ظهرت، تاركة خلفها رائحة زهور برية لم أعرفها من قبل.

 

 

الحلم الذي لم يكن حلمًا

بعد تلك الليلة، بدأت أراها في أحلامي. كانت تجلس بجواري، تلمس وجهي برفق، تحكي لي عن عالمها… عالم تحت الأرض، مليء بالكهوف المضيئة وأنهار من نور. قالت إنها جنية من سلالة قديمة تعيش بين البشر دون أن يروها.


 

“أحببت روحك”، كانت تقول.

“البشر قساة… لكنك مختلف.”


 

كنت أستيقظ كل صباح بشعور مختلط من الرعب والحنين.

هل أصدقها؟

أم أذهب لطبيب نفسي؟


 

لكن آثار أصابعها كانت تظهر على جلدي أحيانًا، كعلامات حمراء خفيفة… تؤكد أن الأمر ليس مجرد حلم.


 

الغيرة القاتلة

في أحد الأيام، زارتني ابنة عمي لتطمئن عليّ. جلسنا نتحدث في الصالة، نضحك قليلاً. شعرت فجأة ببرودة شديدة تجتاح المكان. المصباح فوقنا بدأ يهتز بعنف.


 

نظرت حولي، وقلبي يعرف السبب.


 

توقفت ابنة عمي عن الكلام، وعيناها اتسعتا في رعب.

“مين اللي واقف وراك؟”


 

استدرت ببطء…

كانت هي.


 

ملامحها هذه المرة لم تكن ناعمة. عيناها تحوّلتا إلى سوادٍ كامل، وابتسامتها انقلبت إلى شيء مفترس.


 

في لحظة، سقطت ابنة عمي على الأرض مغشيًا عليها.

واختفت الجنية.


 

في تلك الليلة ظهرت لي غاضبة.

“قلت لك… أنت لي وحدي.”


 

شعرت لأول مرة أن حبها ليس نعمة… بل قيد.



 

الحقيقة المرعبة

بحثت في كتب جدي القديمة، حتى وجدت مخطوطة تتحدث عن “عشق الجان للبشر”. كان مكتوبًا أن بعض الجنيات تختار إنسانًا وترتبط بروحه، لكنها تغار عليه من أي اقتراب بشري.


 

والأسوأ…

أنها قد تأخذه معها إلى عالمها إن شعرت بأنه سيتركها.


 

قرأت جملة جعلت يدي ترتعش:

“إذا قبل دعوتها ثلاث مرات، فُتح الباب بين العالمين.”


 

تذكرت كلماتها في الحلم…

“تعال معي… سنكون معًا للأبد.”


 

كم مرة وافقت؟

مرتين… أم ثلاث؟


 

الدعوة الأخيرة

في الليلة التالية، ظهرت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت جميلة بشكل مخيف، ترتدي ثوبًا أبيض يلمع كالقمر.


 

مدّت يدها نحوي.

“الليلة نذهب.”


 

شعرت بالأرض تهتز تحتي. جدار غرفتي بدأ يتشقق، كاشفًا عن فراغ أسود عميق يتوهج من داخله نور أخضر.


 

سمعت أصواتًا بعيدة… همسات كثيرة تناديني.


 

قالت برقة قاتلة:

“وعدتني.”


 

تراجعت خطوة، لكن شيئًا ما كان يجذبني إليها. لم يكن مجرد سحر… كان إحساسًا بالانتماء، كأنني أنتمي لذلك الظلام أكثر من هذا العالم.


 

صرخت بكل ما تبقى فيّ من قوة:

“لا!”


 

اهتز المكان بعنف، وتحول جمالها إلى هيئة مخيفة، جلدها تشقق، وعيناها نزفتا سوادًا.


 

“خنتني…” همست.


 

ثم انطفأ كل شيء.



 

النهاية: بين عالمين

استيقظت في الصباح على أرض غرفتي، الجدران سليمة، ولا أثر لأي شقوق. ظننت أن كل شيء انتهى.


 

لكنني لم أعد كما كنت.


 

لم أعد أرى الناس بوضوح. أحيانًا أرى ظلالًا تتحرك خلفهم. أسمع همسات خافتة كل ليلة، ليست بصوتها… بل بأصوات كثيرة.


 

وأحيانًا، عندما أنظر في المرآة…

أرى خلفي عينيها الخضراوين تلمعان.


 

منذ أيام، بدأت أسمعها مجددًا.

ليست غاضبة هذه المرة.

صوتها حزين.


 

“سأنتظرك…”


 

أخاف أن أضعف يومًا.

أخاف أن أمد يدي نحو الظلام…

لأنني في أعماقي، ما زلت أشعر أنها أحبّتني فعلًا.


 

لكن بعض أنواع الحب…

أشد رعبًا من الكراهية.


 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.