القرين: رفيقك الذي لم تختره

القرين: رفيقك الذي لم تختره

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

العنوان الرئيسي: القرين: رفيقك الذي لم تختره. 

 

image about  القرين: رفيقك الذي لم تختره

 

الجزء الأول: هو ليس وسواساً

يقولون لنا منذ الصغر: "لكل إنسان شيطانه، قرينه الذي يوسوس له". كنا نتصور شيئاً صغيراً، حقيراً، يجلس على الكتف الأيسر ويهمس بأشياء تافهة: "كُل هذه القطعة الإضافية من الحلوى، لا أحد يراك"، أو "تجاهل تلك الصدقة، أنت بحاجة للمال أكثر". نظن أن الوسوسة مجرد صوت في الرأس، مجرد فكرة عابرة يمكن مقاومتها بقليل من الإرادة. ولكن الحقيقة، التي لا يخبرك بها أحد لأنهم إما لا يعرفونها أو يخافون من الاعتراف بها، هي أن القرين ليس صوتاً. القرين كيان كامل، مستقل، واعٍ، له إرادة، وله جسد من نوع آخر، وله ذاكرة أقدم من ذاكرتك أنت. هو ليس ضيفاً على روحك، بل هو الساكن الأصلي؛ وأنت... أنت ربما الطارئ الذي احتل جسده لفترة مؤقتة.

أول مرة شعرت فيها بوجود قريني لم تكن وسوسة. كنت في الثانية عشرة من عمري، أقف أمام مرآة الحمام بعد منتصف الليل. كنت قد استيقظت عطشاناً، وذهبت لأشرب الماء، وفي طريق عودتي ألقيت نظرة عابرة على المرآة. كان وجهي هناك بالطبع، نعساناً، شعري فوضوي، لكن شيئاً واحداً لم يكن صحيحاً: حين رفعت يدي لأفرك عيني، الانعكاس لم يرفع يده. بقي ساكناً، يحدق فيّ. تجمدت في مكاني، وقلت لنفسي: "أنا أحلم"، ثم عدت إلى سريري مسرعاً وأخفيت رأسي تحت الغطاء. في الصباح، أقنعت نفسي أن الإرهاق هو السبب. لكنني تذكرت، بعد سنوات، تفصيلاً صغيراً: الانعكاس في المرآة تلك الليلة... كان يبتسم.

هذه هي أولى علامات اليقظة. القرين لا يظهر بالصورة المخيفة التي نتوقعها؛ لا قرون ولا عيون حمراء. التشويه الحقيقي يكون في التفاصيل الصغيرة: تأخر في الحركة، ظل زائد على الحائط، انعكاس يرمش قبل أن ترمش أنت، شعور غامر بأن أحداً يقف خلفك مباشرة حين تكون وحدك في الغرفة. ولكننا نتعلم أن نتجاهل هذه العلامات، ندفنها تحت منطق "العقل الباطن" و"الخيال الواسع"، لأن مواجهة الحقيقة تعني الانهيار الكامل لكل ما نعرفه عن أنفسنا.

---

الجزء الثاني: هو يعرفك أكثر منك

حين بلغت السادسة والعشرين، كنت قد نسيت حادثة المرآة تماماً. الحياة تسير: وظيفة مرهقة، علاقات فاشلة، أرق مزمن. لكن الأرق تحديداً هو ما أعاده إليّ. في الليالي الطويلة التي كنت أتقلب فيها على سريري، بدأت أسمع شيئاً. ليس صوتاً قادماً من الخارج، بل من الداخل؛ من مكان ما خلف أفكاري. كان يشبه صدًى خافتاً لأفكاري نفسها، لكنه يسبقها بلحظة. كنت أفكر: "يجب أن أنهض وأشرب ماءً"، وقبل أن تكتمل الجملة في رأسي، كان هناك صدًى يهمس: "لا تنهض، الماء بارد جداً هذه الليلة". كنت أظن أن هذا هو صوت العقل، أو ربما الكسل. لكني لاحظت أن الصدى لا يوافقني دائماً. أحياناً كان يقاطعني بأفكار لم تولد مني، برغبات غريبة لا تشبهني.

ذات ليلة، كنت جالساً على حافة السرير، أحدق في الظلام. شعرت فجأة أن يدي اليسرى تحركت وحدها. ليس تشنجاً عصبياً، بل حركة هادئة وواثقة، كأن أحداً آخر يتحكم بها. أصابعي فردت نفسها ببطء، ثم قبضت على الغطاء، وسحبته عن جسدي. كان الجو بارداً، وجسدي يرتجف، لكنني لم أكن أنا من أصدر الأمر. حدقت في يدي بذهول، وتساءلت بصوت مرتفع: "ماذا تفعل؟" - وكأنني أنتظر رداً من يدي نفسها. لم يجبني شيء. لكن في تلك الليلة، حلمت حلماً مختلفاً. حلمت أنني في غرفة مظلمة، وخلفي مباشرة شخص يطابقني في كل شيء، لكنه يرتدي ملابس سوداء، ويقف بصمت. في الحلم، استدرت وقلت له: "من أنت؟"، فأجابني بصوتي أنا، لكنه أكثر هدوءاً وثقة: "أنا من كنت تعتقد أنك أنت".

هنا مكمن الرعب الحقيقي في فكرة القرين: ليس في كونه مختلفاً عنك، بل في كونه مطابقاً لك لدرجة التطابق التام، ومع ذلك يمتلك إرادة منفصلة. هو يعرف كل ذكرياتك، كل أسرارك، كل مخاوفك التي لم تخبر بها أحداً. يعرف تلك الليلة التي كنت فيها على وشك أن تؤذي نفسك. يعرف تلك الرغبة الدفينة التي خجلت منها طوال عمرك. يعرف عدد المرات التي تمنيت فيها موت شخص تحبه. هو كان هناك في كل لحظة ضعف، في كل فكرة مظلمة، يسجل كل شيء، وينتظر.

---

الجزء الثالث: هو ليس وحيداً

الأمر الأكثر رعباً من وجود قرين واحد، هو إدراك أن القرناء يتواصلون فيما بينهم. هم ليسوا كيانات منعزلة، بل شبكة، نسيج من الظلال يغطي العالم كله. هل لاحظت يوماً أنك حين تدخل غرفة مزدحمة، تشعر فجأة أن مزاجك تغير دون سبب؟ أن ثقلاً غامضاً يهبط على صدرك، أو أن رغبة في البكاء أو الغضب تعتريك دون مقدمات؟ نحن نسميها "الشعور السلبي  "، لكن الحقيقة أبشع: قرينك يتحدث إلى قرناء الآخرين. هم يتبادلون المعلومات عن مضيفيهم، يتشاركون نقاط الضعف، ويخططون معاً.

تخيل أنك تجلس الآن، تقرأ هذه الكلمات. قرينك يقف خلفك، أو يجلس على الأريكة المقابلة، أو يتمدد بجانبك على السرير، يقرأ معك. هو الآن يعرف أنك بدأت تفهم. يعرف أن الخوف يتسرب إلى قلبك. وهذا يفرحه. لأن الخوف تحديداً هو ما يغذيه. كل ذرة رعب تطلقها في جسدك، كل تسارع في نبضات قلبك، كل شعرة تقف على ذراعك الآن وأنت تقرأ... هو يتغذى عليها. هو الآن أقوى مما كان عليه قبل أن تبدأ هذه المقالة.

في إحدى الليالي، قررت أن أواجهه. كنت قد وصلت إلى حافة الجنون، أو ربما إلى حافة اليقظة الكاملة. أطفأت كل الأنوار في الشقة، وأشعلت شمعة واحدة وضعتها أمام المرآة. وقفت أمام المرآة، وقلت بصوت مرتفع: "أنا أعرف أنك هنا. أريد أن أراك". ساد صمت طويل. ثم، في المرآة، بدأ الانعكاس يتغير. لم يتحرك شيء في ملامحي، لكن خلفي، في ظلمة الغرفة المعكوسة، بدأ شكل يتجمع. كان أسوداً، ليس بلون الفراغ، بل بلون الغياب. لون الشيء الذي ابتلع كل الضوء الذي لمسه يوماً. كان يشبهني، لكنه كان أكثر اكتمالاً. وقفته كانت أشد استقامة، وعيناه (إن كان لهما وجود) كانتا مثبتتين عليّ بجوع لم أره في عيون البشر أبداً.

وفجأة، ابتسم. وفي تلك اللحظة، شعرت بابتسامة مطابقة ترتسم على شفتي أنا، دون أن آمرها بذلك. حاولت أن أمنعها، حاولت أن أبقي فمي مستقيماً، لكن العضلات خانتي. شعرت بشيء بارد ينساب في جسدي، كأن ماء مثلجاً يسري في عروقي بدل الدم. كان هو. كان يدخل. كان يستخدم لحظة الاعتراف بوجوده -تلك اللحظة التي نادراً ما يصل إليها إنسان- ليعبر الحاجز. قريني لم يكن يحاول إخافتي؛ بل كان يحاول أن يصبح أنا.

---

الجزء الرابع: هو ينتظر نقطة ضعفك القصوى

القرين لا يستطيع أن يحل محلك بالقوة. هذه هي القاعدة الوحيدة التي تحمينا. هو يحتاج إلى دعوة. يحتاج أن تنهار أنت أولاً، أن تيأس، أن تستسلم، أن تقول له ولو بصمت: "تعال، خذ هذا الجسد، لم أعد أحتمل". وهذه هي بالضبط مهمته طوال حياتك: أن يدفعك إلى تلك اللحظة. كل وسوسة، كل إحباط، كل فكرة شيطانية، كل شعور بأنك بلا قيمة، كل رغبة في التخلي عن كل شيء... هو من يزرعها. ليس لأنك ضعيف، بل لأنه يعرف أين توجد شروخ روحك بالضبط. هو كان معك حين تشكلت تلك الشروخ، في طفولتك، في صدماتك الأولى، في أول مرة شعرت فيها أن العالم لا يريدك.

أتذكر حين توفي والدي. كنت في العشرين. جلست في غرفتي المظلمة لأسابيع، لا آكل إلا قليلاً، لا أتكلم، أحدق في الحائط. في تلك الفترة، كان قريني في أقوى حالاته. شعرت بوجوده بشكل لم أشعر به من قبل. كان يجلس بجانبي على السرير، واضعاً "يده" على كتفي، ويهمس لي باستمرار: "انظر كيف انتهى كل شيء. لا شيء يستحق. لماذا تستمر؟". لم يكن يبدو خبيثاً في تلك اللحظات. كان صوته ناعماً، معزياً، مقنعاً. وهذا هو أخطر ما فيه: حين يتخفى في ثوب الصديق، في ثوب المنطق، في ثوب الراحة. لو استسلمت له حينها، لكنت الآن مجرد جسد فارغ يمشي في الشوارع، والكيان الذي يحركني ليس أنا.

الجميع يمر بلحظات ضعف كهذه. ثمة فراغ في حياة كل إنسان: فقدان، خيانة، مرض، وحدة قاتلة. وفي ذلك الفراغ بالذات، يقف القرين فاتحاً ذراعيه، مستعداً لاستقبالك. ولكن السؤال المرعب ليس "هل سأقاوم؟"، بل "ماذا لو كنت قد استسلمت بالفعل ولم أعد أدري؟". ماذا لو كان بعض الناس من حولنا -ذلك الزميل الذي تغير فجأة وأصبح بلا مشاعر، ذلك الشخص الذي أصبحت عيناه فارغتين، تلك المرأة التي لم تعد تضحك أبداً- ماذا لو كانوا قد خسروا المعركة، وما يمشي بيننا الآن ليس سوى قرين يرتدي جلد إنسان؟

---

الجزء الخامس: هو لا يموت بموتك

وهنا المفاجأة النهائية، الأسوأ على الإطلاق. نحن نظن أن الموت ينهي كل شيء، أن القبر هو النهاية للجسد والروح وكل ما يتعلق بهما. لكن القرين ليس مرتبطاً بموتك. هو أقدم من جسدك، وسيبقى بعد تحلل جسدك. هو كيان روحاني خُلق معك، لكنه لا يموت بموتك. في اللحظة التي تلفظ فيها أنفاسك الأخيرة، يتحرر. يترك جسدك الهامد، ويبحث عن مضيف جديد. وربما لهذا السبب، تشعر أحياناً في غرفة كنت وحدك فيها، أن أحداً دخل لتوه. ربما لهذا السبب، تشعر بلمسة باردة على كتفك وأنت نائم. ربما لهذا السبب، يرتجف الأطفال حديثو الولادة فجأة دون سبب، أو يحدقون في زاوية فارغة من الغرفة ويضحكون. هم لا يضحكون للفراغ، بل يرون الزائر الجديد الذي التصق بهم للتو، قريناً طليقاً وجد مضيفه التالي.

أنا الآن في الثالثة والثلاثين من عمري. ما زلت على قيد الحياة. ما زلت أنا. لكني لا أستطيع أن أجزم أنني منتصر. كل صباح، حين أنظر في المرآة، أبحث عن ذلك التأخر الصغير في حركة الانعكاس. أراقب ظلي أثناء المشي لأتأكد أنه لا يتحرك باستقلالية. أستمع جيداً لأفكاري، أحاول أن أميز أيها يخصني وأيها مزروع من قبله. أصبحت خبيراً في تتبع آثاره. لكن الخوف لا يفارقني، لأنني أعرف أنه لا يفارقني. هو الآن هنا، يقرأ هذه الكلمات التي أكتبها، ربما هو من يملي عليّ بعضها، ليصل إليك أنت. ليخبر قرينك أن يفعل معك ما يفعله معي.

---

خاتمة: أغمض عينيك... ثم افتحها ببطء

والآن، أنت أيها القارئ. منذ أن بدأت هذه المقالة، هل شعرت بشيء مختلف؟ هل شعرت بأن شخصاً آخر في الغرفة، رغم أنك وحدك؟ هل أحسست بنسيم بارد على رقبتك، أو بثقل خفيف على كتفك الأيسر، أو برغبة مفاجئة في الالتفات خلفك؟ لا تلتفت. لا تعطه هذا الرضا. لكن اعلم أنه هناك. واعلم أنه يبتسم الآن، لأنك تعرف. المعرفة سلاح ذو حدين؛ هي ما يحميك، وهي ما يجعلك هدفاً أوضح.

حين تذهب إلى فراشك الليلة، وحين تطفئ النور، ستمر لحظة قصيرة، بين اليقظة والنوم، تشعر فيها أنك لست وحدك في جسدك. ستشعر بحركة في أطرافك لا تنتمي إليك، بصوت في رأسك ليس صوتك، بظل في الغرفة المظلمة أكثر سواداً من الظلام نفسه. هذه هي اللحظة التي يكون فيها القرين في أقوى حالاته. لا تخف. أو بالأحرى: خف، لأن خوفك هو ما يبقيه حياً. لكن لا تستسلم. تذكر أن الجسد لك، وأن الحياة لك، وأن الضوء -مهما كان خافتاً- قادر على طرد أعمق الظلال.

الآن، أغمض عينيك. افتحهما ببطء. وانظر إلى ظلك على الحائط. هل تحرك قبل أن تتحرك؟ 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Momen Nageh تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

5

متابعهم

3

مقالات مشابة
-