شبح في العلية: الجريمة الغامضة التي أرعبت ألمانيا في مزرعة "هينتركايفيك"

شبح في العلية: الجريمة الغامضة التي أرعبت ألمانيا في مزرعة "هينتركايفيك"
بعض قصص الرعب لا تحتاج إلى خيال مؤلف لتثير الفزع في النفوس؛ بل إن الواقع أحياناً ينسج سيناريوهات تتجاوز أعتى أفلام السينما دموية وغموضاً. ومن بين هذه القصص الحقيقية الموثقة، تقف حكاية "مزرعة هينتركايفيك" (Hinterkaifeck) كواحدة من أكثر القضايا التي عجز الطب الشرعي واستخبارات الشرطة عن حلها، لتتحول إلى أسطورة سوداء تنبض بالرعب.
على بعد أربعمائة كيلومتر شمال مدينة ميونخ الألمانية، كانت تقف مزرعة "هينتركايفيك" المعزولة محاطة بآفاق مفتوحة وغابات كثيفة. كانت تعيش فيها عائلة "غروبر" المكونة من الأب أندرياس وزوجته كازيليا، وابنتهما الأرملة فيكتوريا وطفليها، بالإضافة إلى خادمة المزرعة. كانت العائلة معروفة بإنعزالها وانطوائيتها عن أهل القرية المجاورة، لكن الهدوء الظاهري الذي كان يغلف المكان بدأ يتلاشى تدريجياً في أواخر مارس عام 1922 ليحل محله جو شاحب من الخوف والريبة.
قبل أيام قليلة من وقوع الفاجعة، بدأت أحداث مريبة تتوالى بالمنزل. لاحظ الأب أندرياس وجود آثار أقدام حديثة على الثلج تتجه من الغابة المجاورة مباشرة نحو المزرعة، لكن الغريب والسر الذي أربك الجميع أن الآثار لم تكن تخرج منها أبداً! وكأن صاحبها دخل البيت ولم يغادره قط. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل سمع أفراد العائلة أصوات خطوات ثقيلة تنبعث من "العلية" (المساحة الخشبية أسفل السقف) في منتصف الليل، واختفت مفاتيح المنزل بشكل مفاجئ، كما وجد الأب جريدة غريبة في المطبخ لم يشترها أحد. حذرت الخادمة القديمة العائلة من أن المزرعة "مسكونة بكيانات شريرة" وفرت هاربة مذعورة، ليتم استبدالها بخادمة جديدة وصلت المزرعة في نفس يوم الجريمة!
في ليلة الحادي وثلاثين من مارس 1922، تحول الغموض إلى كابوس مروع. يُعتقد أن القاتل المجهول الذي كان يختبئ في العلية بدأ باستدراج أفراد العائلة واحداً تلو الآخر إلى حظيرة الأبقار. استُدرج الأب، ثم الزوجة، تلتها الابنة والطفلة الكبرى، وتمت تصفيتهم جميعاً بدم بارد باستخدام أداة حادة تُستخدم في الفلاحة. بعد ذلك، دخل القاتل بكل هدوء إلى داخل المنزل ليقضي على الطفل الصغير في مهده والخادمة الجديدة التي لم يمض على وصولها سوى بضع ساعات.
لكن الجزء الأكثر رعباً وإثارة للدهشة لم يكن طريقة القتل، بل ما حدث بعد الجريمة! أثبتت تحقيقات الشرطة أن القاتل المجهول لم يهرب فور ارتكاب المأساة، بل بَقي مقيماً في المزرعة لمدة أربعة أيام كاملة مع جثث العائلة الملقاة في الحظيرة! أظهرت الفحوصات أن المواشي والحيوانات تُعمّرت بالرعاية وتلقت طعامها اليومي، كما شاهد أهالي القرية الدخان يتصاعد من مدخنة المنزل خلال تلك الأيام، وأكل القاتل من طعام المطبخ وتجول في أرجاء البيت بآدمية غريبة بينما الدماء تغطي الحظيرة!
عندما ساور الشك أهالي القرية بسبب غياب الأطفال عن المدرسة وعدم حضور العائلة للقداس، توجهوا للمزرعة ليكتشفوا المأساة. استجوبت الشرطة الألمانية أكثر من 100 مشتبه به على مدار عقود، لكن القضية أُغلقت ضد مجهول. وبقيت مزرعة "هينتركايفيك" دليلاً حياً على مرعوبية الفكرة: أن يكون هناك غريب يتنفس معك في نفس البيت، يراقبك من العلية، وينتظر فقط لحظة إطفاء الأنوار ليجهز عليك.