نزل الغرف الملعونة
المفتاح رقم 7
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً عندما قرر يوسف التوقف عن القيادة. الضباب الكثيف بلع الطريق السريع، وأصبحت الرؤية عبر زجاج السيارة شبه معدومة. رأى لافتة خشبية متآكلة تشير إلى نزل قديم يعلوه ضوء أصفر باهت يرمش على فترات. لم يكن لديه خيار آخر؛ خزان الوقود يوشك على الجفاف، وجسده يصرخ من التعب.
دفع الباب الخشبي للنزل ليصدر صفيراً حاداً هز سكون المكان. كان البهو يفوح برائحة الرطوبة والغبار وشيء آخر لم يستطع تحديده، رائحة تشبه الحديد الصدئ. خ خلف المنصة الخشبية، كان يجلس رجل عجوز ناعس، ذو بشرة شاحبة وتجاعيد عميقة تحيط ببريق غريب في عينيه. سلم يوسف مفتاح الغرفة رقم ٧ دون أن ينبس ببضعة كلمات، فقط أشار بيده النحيلة نحو الدرج الصاعد للظلام.
صعد يوسف، وكان كل دروج يطأه يصدر أنيناً مكتوماً. الممر الطويل كان مفروشاً بسجادة حمراء داكنة تبدو وكأنها امتصت دماء عقود مضت. فتح باب الغرفة، كانت بسيطة: سرير حديدي، خزانة ملابس قديمة، ولمبة متدلية من السقف بأسلاك مكشوفة. ألقى حقيبته واستلقى على السرير محاولاً النوم، لكن الصمت الذي يغلف المكان كان ثقيلاً، يضغط على أذنيه كصوت طنين متواصل.
عند منتصف الليل، استيقظ يوسف على صوت خدش متكرر. إنه يأتي من داخل الجدار.
جلس على حافة السرير، وحبس أنفاسه. الأصوات لم تكن للفئران؛ كانت أشبه بأظافر بشرية تحفر في الخشب بقسوة وتلذذ. فجأة، توقف الخدش، ولحقه صوت همس ضعيف، صوت امرأة يتصاعد من خلف الجدار الملاصق لسريره: "ساعدني... إنه لا يترك أحداً يغادر."
اتسعت عينا يوسف وتصبب العرق البارد من جبينه. نهض بسرعة واتجه نحو الباب ليرحل فوراً، لكن المقبض الحديدي كان جامداً، كأنه لحم في هيكل الباب. حاول دفعه بكل قوته دون جدوى. تحول الهمس خلف الجدار إلى ضحكات هستيرية خافتة تتزايد حدتها وشؤمها.
التفت يوسف نحو الغرفة، ولفت انتباهه المرآة الكبيرة المعلقة فوق الخزانة. كان الضوء الأصفر لللمبة يرمش بسرعة، ومع كل ومضة، كانت تتغير الصورة المتقابلة في المرآة. لم يكن يرى انعكاس نفسه؛ بل كان يرى الغرفة وهي تتآكل، وجدرانها تسيل منها مادة سوداء لزجة.
وفجأة، اقترب شيء ما داخل المرآة. كان يرى ظلاً عريضاً يقف خلفه تماماً.
تسمر يوسف في مكانه، ورفض أن يلتفت للوراء. نزل الهواء في الغرفة إلى درجة التجمد، واستطاع رؤية بخار أنفاسه. شعر بريح باردة تلامس رقفته، وصوت أنفاس ثقيلة وكريهة تنتظم خلف أذنه مباشرة.
بشجاعة نابعة من الرعب الخالص، التفت يوسف بسرعة، لكنه لم يجد أحداً! الغرفة كانت فارغة تماماً. تنفس الصعداء لثانية واحدة فقط، قبل أن يسمع صوت فتح باب الخزانة ببطء شديد.
انفتح باب الخزانة بالكامل، ولم تكن تحتوي على ملابس. كانت هناك جثة هامدة لرجل يشبهه تماماً، ترتدي نفس ملابسه، وملقاة بزاوية غريبة داخل الخزانة، بينما كان الجدار الخلفي للخزانة محفوراً بأظافر دامية.
سقط يوسف أرضاً من الصدمة، وفي تلك اللحظة، انطفأت اللمبة كلياً. حل الظلام الدامس، ولم يعد يستمع إلا لصوت الخطوات الثقيلة التي تخرج من الخزانة وتتجه نحوه ببطء، وثبات.
في الصباح التالي، أشرقت الشمس وتلاشى الضباب. توقفت سيارة أخرى أمام النزل، ودخل مسافر جديد يطلب غرفة ليرتاح فيها. استقبله العجوز الشاحب بابتسامة باهتة، وأعطاه المفتاح رقم ٧، ثم أشار بيده النحيلة نحو الدرج، بينما كان ينظف بقطعة قماش ملطخة مفتاحاً آخر صغيراً كُتب عليه رقم ٨.
please login to be able to comment