الراكب الأخير في الرحلة رقم صفر

الراكب الأخير في الرحلة رقم صفر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الراكب الأخير في الرحلة رقم صفر

اسمٌ على شاهد قبر

لم تكن الحافلة الأخيرة المتهالكة تحتوي سوى على أربعة ركاب، بالإضافة إليّ وإلى سائقٍ غارقٍ في صمته كأنه جزء من الحطام الحديدي الذي يقوده. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، والضباب الخارجي يلتف حول الزجاج وكأنه أنفاس كائن يدور حولنا في الظلمة.توقفت الحافلة فجأة عند محطة مهجورة لا تحيط بها أي أنوار. انفتح الباب بصوت صرير حاد، لكن أحداً لم يصعد. تطلعت نحو السائق منتظراً أن يغلق الباب، لكنه ظل يحدق في المرآة العلوية بعينين متسعتين، خاليتين تماماً من أي تعبير.في تلك اللحظة، شعرت ببرودة مفاجئة تسري في المكان، ليس كبرودة الجو الخارجي، بل كأن برودة الموت نفسه تسللت إلى أنفاسنا. نظر الرجل الجالس في المقعد الأمامي إلى الخلف، وكانت ملامحه مشوهة بذعر مكتوم، مشيراً بأصبع ترتجف نحو منتصف الحافلة.

هناك، في المقعد الخالي منذ بداية الرحلة، كان يجلس شابة بملابس مبتلة بالكامل، يستقطر منها ماء أسود اللون يفوح برائحة الطمي والفساد. لم نسمع حركة أقدامها، ولم يشعر أحد بدخولها، لكنها كانت هناك، تثبت نظراتها على السقف بصمت مريب.حاولت الاستغاثة أو الصراخ، لكن صوتي احتبس في حنجرتي. فجأة، بدأت الهمسات تنبعث من المقاعد الخالية. ألوف الأصوات المتداخلة تتحدث بلغات غير مفهومة، تارة تضحك بحشرجة، وتارة تئن ببكاء مزق هدوء الليل.التفتت الشابة المبتلة نحوي ببطء شديد. لم تكن تملك عينين، بل كان مكانها تجويفان فارغان ينبثق منهما سائل أسود. فتحت فمها لتتحدث، وبدلاً من الكلمات، انطلقت صرخة مدوية هزت أركان الحافلة وانطفأت على إثرها جميع الأضواء.حل ظلام دامس، ولم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي المتسارعة وصوت قطرات الماء الأسود وهي تتساقط على أرضية الحافلة، تبتعد وتشترب منا رويداً رويداً.

عندما أشرقت شمس الصباح، استيقظت لأجد نفسي مستلقياً على جرف رملي بجانب حطام حافلة غارقة في المستنقع depuis عقود. لم يكن هناك سائق، ولا ركاب، فقط شواهد قبور قديمة تطل على المياه الميتة، واسمي منقوش على إحداهااقتربتُ بخطى مرتجفة من ذاك الشاهد الحجري. كانت حروف اسمي منقوشة عليه بعمق، يكسوها العفن والتراب، وتحتها تاريخ وفاة يعود إلى ليلة البارحة بالتحديد. لم تكن الصدمة في رؤية الاسم، بل في الشقاق الأبدي الذي شعرتُ به داخل صدري؛ لم أعد أدرك هل أنا جسد حقيقي ينبض، أم مجرد أثر أخير لروح رفضت العبور.

لمستُ بأطراف أصابعي البرونزية الباردة سطح الحجر، فنفذت يدي من خلاله قليلاً كأنها ظلال مكثفة. في تلك اللحظة، تعالت ضحكة حشرجية من قلب المستنقع خلفي. التفتُ لأرى السائق يتوسط المياه الراكدة، يقف بثبات على سطح الماء دون أن يغوص، ويشير إليّ بيده التي استحالت إلى عظام نخرة، داعياً إياي للعودة إلى الحافلة الغارقة.حول الحطام الصدئ، بدأت الركاب الأربعة يخرجون من قاع المستنقع واحداً تلو الآخر. لم تكن أجسادهم سوى بقايا مشوهة يكسوها الطمي والأسماك الميتة، وعيونهم تجاويف مظلمة تنضح بالماء الأسود ذاته. كانت الشابة المبتلة تقف في مقدمتهم، تجر قدميها بنعومة على الطين، وتمتد يدها نحوي ببطء شديد.

صحتُ بصرخة شقت صمت المكان، واستدرتُ لأركض بعيداً عن الجرف. ركضتُ في الغابة المجاورة المليئة بأشجار الأشواك الخاوية، لكن الأقدام المبتلة كانت تتبعني بصوت خطوات ثقيلة ومتقطعة. كلما ابتعدتُ مسافة، وجدتُ الأشجار تتراقص وتتكاثف لتغلق الطريق أمامي، مجبرةً إياي على العودة نحو النقطة ذاتها."لا يمكنك الهرب من رحلتك المسجلة،" جاء الصوت هذه المرة من داخل رأسي مباشرة، بصوت السائق المجهد المليء بالصدأ. "الحافلة لا تنقل الأحياء إلى وجهاتهم، بل تجمع أولئك الذين نسوا أنهم ماتوا."

توقفت أقدامي رغماً عني عندما وصلتُ إلى حافة المستنقع مجدداً. التفتُ لأرى وجهي منعكساً على سطح المياه السوداء: كان وجهي شاحباً، وعيناي قد بدأتا بالتلاشي ليحل محلها الظلام الدامس، وقطرات الطمي تنزل من أطراف ثيابي بنفس الطريقة المريبة. فهمتُ كل شيء في تلك اللحظة؛ لم أكن راكباً تصادف وجوده في الحافلة الملعونة، بل كنتُ الراكب الأخير الذي اكتملت به القائمة. انفتحت أبواب الحافلة الغارقة تحت الماء مجدداً، وصعد الجميع إلى أماكنهم بالترتيب ذاته. مشيتُ بخطى سريعة ومسلوبة الإرادة نحو مقعدي الخالي، وما إن جلستُ حتى أغلق الباب الصدئ بصرير حاد، وغاصت الحافلة في أعماق الظلمة الأبدية، منتظرة ليلة أخرى لجمع بقية الركاب.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

16

متابعهم

5

متابعهم

5

مقالات مشابة
-