لا تنظر للخلف"

لا تنظر للخلف"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لا تنظر للخلف"

image about لا تنظر للخلف

الجزء الاول 

كان التنبيه الصادر عن هيئة إدارة الأزمات مختلفاً عن أي إنذار سبق للناس سماعه. لم يأتِ بصوت الصفارات التقليدية، بل بنيغمةٍ حادة ومستمرة اهتزت لها هواتف المدينة بأكملها في تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً.

​عندما فتحت سارة شاشة هاتفها، كانت الرسالة حمراء، قصيرة، ومكتوبة بخطٍ عريض:

​[تنبيه طارئ - درجة أولى]

ظاهرة غير محددة تجتاح المنطقة الآن. لا تلتفت إلى الخلف تحت أي ظرف من الظروف. تجنب النظر في المرايا أو الأسطح العاكسة. استمر في التحرك للأمام فقط حتى تصل إلى أقرب نقطة إيواء. الكيانات تستهدف من ينظر إليها.

في اللحظة التي أنهت فيها سارة قراءة الرسالة، انقطعت الكهرباء عن الشارع بأكمله. ساد ظلامٌ دامس، ولم يعد يضيء الغرفة سوى الضوء الباهت القادم من شاشة هاتفها.

وقفت سارة في منتصف الغرفة، وثبتت نظرتها على الباب الأمامي للشقة. بدأت الخطوة الأولى نحو الخروج، لكن مع الخطوة الثانية، سمعت الصوت.

كان الصرير قادماً من الخزانة الخشبية التي تقبع خلفها تماماً. صرير بابٍ يُفتح ببطء شديد.

تجمّد الدم في عروقها. جمدت عيناها على مقبض الباب الأمامي. تثاقلت أنفاسها وهي تسمع خروج أقدامٍ حافية من الخزانة، تستقر على الأرضية الخشبية. لم تكن خفيفة، بل كانت خطواتٍ ثقيلة، يرافقها صوت سحب شيءٍ ما على الأرض.

​"سارة؟"

​سقط هاتف سارة من يدها من هول الصدمة، لكنها لم تنحنِ لتقطه. كان الصوت صوت أختها الصغرى، مريم... أختها التي توفيت منذ ثلاثة أعوام.

​كان النبرة دافئة، مليئة بالرجاء: “سارة، أرجوكِ... أنا خائفة، لماذا لا تنظرين إليّ؟ هل ما زلتِ غاضبة مني؟”

​شعر شعر رأسها بالوقوف. بلعت سارة ريقها بمرارة، وأغمضت عينيها لبرهة. تذكرت النصيحة الأولى في التنبيه: الكيانات تستهدف من ينظر إليها. الصوت لم يكن مريم؛ كان مجرد طُعم، صدىً مسروق من ذكرياتها الأكثر إيلاماً.

خطت سارة خطوة أخرى نحو باب الشقة.

​فجأة، تغيرت نبرة الصوت خلفها. لم تعد دافئة، بل أصبحت هشة وقريبة جداً، كأن صاحبها يهمس في الهواء الملامس لرقبتها من الخلف تماماً:

“أنظري إليّ...”

​شعرت سارة برائحة رطوبة قديمة وببرودة تسري في قعر عنقها. لم تلتفت. فتحت باب الشقة بلمسة سريعة، وخرجت إلى ممر العمارة، وهي تجبر عينيها على التركيز على درجات السلم الهابطة أمامه فقط.

أثناء نزولها، كانت الأصوات تتزايد من حولها. لم تكن وحدها في العمارة؛ كانت تسمع صرخات الجيران، يليه صمتٌ مفاجئ ومرعب في كل مرة يلتفت فيها أحدهم. سمعت صوت جارتها في الطابق السفلي وهي تصرخ باسم ابنها، ثم تحول الصراخ إلى صوت تمزيق نسيجٍ كتم الصوت للأبد.

​وصلت سارة إلى الشارع الرئيسي. كان الشارع مليئاً بأشخاص يسيرون بتصلّب، أجسادهم متجهة للأمام، وعيونهم معلقة بالأفق، بينما تتجول خلفهم ظلالٌ طويلة لا أشكال محددة لها، تهمس في آذانهم بأصوات أمهاتهم، وأطفالهم، وأصدقائهم القدامى.

​كانت خطة سارة هي الوصول إلى الملاذ الآمن: البث القومي أعلن أن المحطة المركزية للأنفاق مجهزة بأبواب ذات اتجاه واحد ومحاطة بجدران عاكسة للضوء تمنع الاقتراب.

بعد نصف ساعة من المشي المتواصل دون الالتفات ولو لإنش واحد، أصبحت المحطة على بُعد خطوات. كان باب الدخول المفتوح أمامه يفيض بالضوء الأبيض.

​لكن، قبل أن تطأ قدمها العتبة الأولى للمحطة، سمعت خبطاً قويًا على الأرض خلفها مباشرة، وتبعه صوت والدها الذي يمرض في المستشفى:

“سارة! تعثّرتُ وسقطت... ذراعي كُسرت، سارة أرجوكِ ساعديني على النهوض!”

توقفت قدم سارة في الهواء. كانت الدقيقة الأكثر قسوة في حياتها. الصوت كان مطبقاً للواقع تماماً، فيه أنين ألمٍ حقيقي وبكاء مكتوم. انهمرت الدموع من عيني سارة، واهتزت كتفاها. بدأت رقبتها تميل قليلاً إلى اليسار غريزياً…

​لكنها ألمحت في أطراف رؤيتها الجانبية رفّة ظِلّ غير طبيعية؛ لم يكن ظلاً لإنقاذ شخص، بل كان ظل ذراعٍ طويلة ببراثن ممتدة تجلس في وضع الاستعداد للقبض على رأسها فور دوران وجهها.

أغمضت سارة عينيها قوة، وحبست صرختها، ثم دفعت جسدها بكل ما أوتيت من قوة إلى الأمام نحو ضوء المحطة.

عبرت العتبة، وسقطت على أرضية المحطة المضاءة. فور عبورها، أُغلقت الأبواب الهيدروليكية الفولاذية خلفها بصوتٍ مدوٍّ.

استلقت سارة على ظهرها وأخيراً استطاعت التنفس بحرية. نظر إليها حراس المحطة الذين يرتدون أقنعة واقية ويحملون أسلحة متطورة.

أخذت سارة تنفسها ببطء، ونظرت إلى السقف. لكن، في أقصى زاوية من السقف المظلم للمحطة، حيث لا تصل الأضواء القوية، رأت شيئاً جعل قلبها يتوقف تماماً.

كان هناك كيانٌ أسود يتشبث بالسقف كالتراب، ينظر إليها بعيون خاوية، ثم وضع أصبعه على شفتيه وطلب منها الهمس:

“لقد نجحتِ في عدم الالتفات للخلف... لكنكِ الآن تنظرين للعلى.”

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Aya Razk تقييم 5 من 5.
المقالات

22

متابعهم

14

متابعهم

6

مقالات مشابة
-