القرية التي تستيقظ قبل الجميع

# القرية التي تستيقظ قبل الجميع
لم يكن يونس يتخيل أن رسالة قصيرة يمكن أن تغير حياته بالكامل.
كان والده، فؤاد، يعمل مهندسًا ويسافر كثيرًا إلى المناطق النائية. وفي إحدى رحلاته الأخيرة، اختفى فجأة دون أن يترك أي أثر.
مرت ثلاثة أشهر، ثم وصلت إلى يونس رسالة من رقم مجهول.
كانت الرسالة تحتوي على صورة لقرية صغيرة محاطة بالجبال، وتحت الصورة جملة واحدة:
**"والدك كان هنا… لكنه لم يغادر."**
بحث يونس عن اسم القرية، فوجد أنها تسمى **قرية السرو**، وتقع في منطقة جبلية بعيدة. الغريب أن القرية لم تكن موجودة على الخرائط الحديثة، ولم يجد عنها سوى معلومات قليلة جدًا.
في صباح اليوم التالي، قرر السفر إليها.
استغرق الطريق ساعات طويلة، وكلما اقترب من القرية أصبح الطريق أكثر هدوءًا. لا سيارات، ولا أشخاص، ولا حتى أصوات حيوانات.
عندما وصل، وجد بوابة حجرية قديمة عند مدخل القرية.
كان هناك رجل مسن يجلس بجوارها.
قال يونس:
“أنا بدور على والدي.”
رفع الرجل عينيه ببطء.
“اسمه إيه؟”
“فؤاد.”
تغير وجه الرجل.
ثم قال:
“إنت ابنه؟”
أومأ يونس.
وقف الرجل وقال:
“يبقى لازم تمشي قبل الساعة تلاتة.”
استغرب يونس.
“ليه؟”
نظر الرجل إلى السماء.
“لأن أهل القرية كلهم بيصحوا الساعة تلاتة.”
ضحك يونس ظنًا منه أنها عادة غريبة.
دخل القرية.
كانت البيوت صغيرة وقديمة، لكن كل شيء فيها مرتب بشكل غريب. لم يكن هناك أي شخص في الشوارع، وكأن القرية بأكملها نائمة.
وجد يونس منزلًا صغيرًا للإيجار، وقرر البقاء حتى الصباح.
في تمام الساعة الثالثة، استيقظ فجأة.
لم يكن يعرف السبب.
جلس على السرير وأصغى.
سمع أبواب البيوت تُفتح في نفس اللحظة.
باب.
ثم آخر.
ثم عشرات الأبواب.
نظر من النافذة.
كان جميع سكان القرية يقفون في الشوارع.
رجال ونساء وأطفال.
لكنهم لم يتحدثوا.
كانوا جميعًا ينظرون نحو الجبل.
ثم بدأوا في السير ببطء في اتجاه واحد.
شعر يونس بالفضول، فارتدى ملابسه وتبعهم من بعيد.
قادهم الطريق إلى مبنى حجري قديم عند سفح الجبل.
دخل الجميع.
وقف يونس خارج الباب.
بعد دقائق، سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
صوت والده.
“يونس…”
تجمد في مكانه.
دخل المبنى بسرعة.
وجد قاعة كبيرة مضاءة بمصابيح ضعيفة.
وفي آخر القاعة كان والده واقفًا.
كان حيًا.
صرخ يونس:
“بابا!”
اقترب منه.
لكن والده لم يتحرك.
قال فؤاد:
“إنت ما كانش لازم تيجي.”
احتضنه يونس وسأله عن سبب اختفائه.
قال فؤاد:
“من يوم ما دخلت القرية دي، وأنا بحاول أخرج.”
“طب ليه ما خرجتش؟”
نظر والده حوله.
“لأن القرية مش هي المكان اللي إحنا فاكرينه.”
بدأ يونس يشعر بالخوف.
قال فؤاد:
“كل يوم الساعة تلاتة، أهل القرية بيصحوا علشان يتأكدوا إن القرية لسه موجودة.”
سأل يونس:
“يعني إيه؟”
أشار فؤاد إلى الجدار.
كانت هناك صور قديمة معلقة عليه.
صور للقرية.
لكن الصور كانت تحمل تواريخ مختلفة.
قبل عشرين سنة.
قبل خمسين سنة.
قبل مئة سنة.
الغريب أن القرية في كل صورة كانت تبدو بنفس الشكل تمامًا.
نفس البيوت.
نفس الجبل.
نفس برج الساعة.
حتى بعض الأشخاص كانوا يظهرون في الصور نفسها.
قال فؤاد:
“القرية اتوقفت من زمان.”
“اتوقفت؟”
“الزمن هنا مش بيمشي زي بره.”
ثم أخبره أن القرية تعرضت لحادث غامض منذ عشرات السنين، ومنذ ذلك الوقت أصبح سكانها يعيشون في نفس اليوم مرارًا وتكرارًا.
كل ليلة عند الثالثة فجرًا، يستيقظون.
يمشون إلى المبنى الحجري.
ثم يعودون إلى بيوتهم.
وعندما تشرق الشمس، ينسون كل شيء.
إلا شخصًا واحدًا.
الشخص الذي يأتي من الخارج.
قال فؤاد:
“أنا فضلت فاكر كل حاجة… وده كان عذابي.”
سأل يونس:
“طيب نخرج إزاي؟”
أشار والده إلى باب في نهاية القاعة.
“لازم توصل للباب قبل الساعة تلاتة وسبع دقايق.”
نظر يونس إلى ساعته.
كانت الثالثة وست دقائق.
ركضا نحو الباب.
لكن فجأة أضاءت جميع المصابيح.
استدار سكان القرية في نفس اللحظة.
كانوا جميعًا ينظرون إلى يونس.
ثم قالوا بصوت واحد:
**"هو مش من هنا."**
بدأت الساعة تدق.
**دونغ…**
فتح فؤاد الباب.
**دونغ…**
صرخ:
“اجري!”
خرج يونس.
لكن والده لم يخرج.
أمسك يونس بيده.
قال فؤاد:
“لو خرجت أنا، القرية هتختفي.”
رفض يونس تركه.
لكن فؤاد دفعه خارج الباب وأغلقه.
في اللحظة الأخيرة، سمع يونس والده يقول:
“افتكرني.”
ثم انطفأت الأنوار.
وجد يونس نفسه خارج القرية.
كانت الشمس قد أشرقت.
لم يجد بوابة.
ولا مباني.
ولا حتى الطريق الذي جاء منه.
فقط جبل وغابة.
عاد إلى المدينة بعد رحلة طويلة.
مرت أيام.
ثم أسابيع.
بدأ يونس يبحث عن أي دليل على قرية السرو.
لكن لا أحد يعرفها.
حتى الصور التي كانت معه اختفت.
لم يتبقَّ سوى صورة واحدة.
صورة والده.
وفي خلفيتها ظهر المبنى الحجري.
مرت سنة كاملة.
وفي ليلة هادئة، استيقظ يونس فجأة.
نظر إلى الساعة.
كانت الثالثة تمامًا.
سمع صوت طرق على باب منزله.
**دق… دق… دق.**
اقترب بحذر.
ثم سمع صوت والده:
“يونس… افتح.”
تجمد مكانه.
لم يفتح.
عاد الصوت:
“أنا عرفت الطريق للخروج.”
ظل يونس صامتًا.
ثم سمع صوتًا آخر من خلف الباب.
صوت رجل عجوز:
“ما تفتحش يا ابني.”
كان نفس الرجل الذي قابله عند بوابة القرية.
ثم بدأ صوت ثالث يتحدث.
صوت يونس نفسه:
“افتح… أنا اللي جوه.”
ابتعد يونس عن الباب.
وفي تلك اللحظة، سمع جرس الساعة.
رغم أنه لم يكن هناك أي برج ساعة بالقرب من منزله.
**دونغ…**
ثم مرة أخرى.
**دونغ…**
وعندما دقت الثالثة والسبع دقائق، توقف كل شيء.
في الصباح، فتح يونس الباب.
لم يجد أحدًا.
لكن أمام المنزل كانت هناك خريطة قديمة.
وعليها نقطة حمراء في وسط الجبال.
وفوقها اسم واحد:
**قرية السرو.**
وتحت الاسم كُتبت جملة جديدة:
**"المرة القادمة… لن يأتي والدك وحده."**
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق