الجني الذي يسكن أعماق البحر.. حكاية الصياد الذي عاد وحيدًا
كان الليل قد حلّ على القرية الساحلية، والبحر ساكنًا بشكل غير طبيعي. لم تكن الأمواج تصطدم بالصخور كعادتها، وكأن البحر نفسه كان يحبس أنفاسه وينتظر شيئًا.
كان سالم، صياد في بداية الثلاثينيات، يستعد للخروج بقاربه قبل الفجر. وقبل أن يغادر، أمسك والده بذراعه وقال له بصوت جاد:
“لو سمعت صوتًا يناديك من البحر... لا ترد. مهما كان الصوت.”
ضحك سالم محاولًا إخفاء قلقه، لكنه لم ينسَ كلمات والده.
بعد ساعات، أصبح القارب بعيدًا عن الشاطئ. اختفت أضواء القرية خلف الضباب، ولم يعد سالم يرى سوى البحر الأسود الممتد حوله.
وفجأة…
سمع صوتًا خافتًا.
“سالم...”
توقف عن الحركة.
كان الصوت يشبه صوت والده تمامًا.
نظر خلفه، فلم يجد أحدًا.
ثم سمعه مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان الصوت قادمًا من أسفل القارب.
“سالم... أنا هنا.”
شعر بقشعريرة تسري في جسده. أمسك بالمحرك محاولًا العودة، لكنه توقف فجأة.
ساد الصمت.
ثم بدأت المياه حول القارب تتحرك ففيي دوائر واسعة، رغم أن البحر كان هادئًا تمامًا.
نظر سالم إلى الماء، فرأى شيئًا غريبًا في الأعماق.
ظلًا ضخمًا يتحرك ببطء تحت القارب.
لم يكن يستطيع رؤية ملامحه، لكنه كان متأكدًا أن ذلك الشيء كان ينظر إليه.
ثم طرق شيء ما أسفل القارب.
دَق…
تراجع سالم.
دَق... دَق…
هذه المرة كان الصوت أقوى.
ثم سمع صوتًا يعرفه جيدًا:
“سالم... افتح.”
كان صوت والدته.
لكن والدته كانت قد توفيت منذ سنوات.
تجمد في مكانه، ولم يستطع الرد.
ظهرت فجأة بصمة يد على جانب القارب من الخارج، ثم اختفت.
بعدها ظهرت بصمة ثانية.
ثم ثالثة.
وبدأت عشرات الأصوات تتحدث في الوقت نفسه من حوله؛ أصوات رجال ونساء وأطفال، وكل واحد منها يناديه باسمه.
أغمض سالم أذنيه، لكن الأصوات أصبحت أوضح.
ثم سمع صوتًا واحدًا فقط:
“لا تخف... انظر إلى البحر.”
فتح عينيه دون إرادته.
كان هناك وجه يقف فوق سطح الماء على مسافة قصيرة من القارب.
وجه شاحب بلا تعبير، وعينان ثابتتان لا تتحركان.
قال المخلوق:
“أعد ما أخذته.”
نظر سالم إلى صندوق السمك.
وبين الأسماك وجد صدفة سوداء لم يرها من قبل، وكانت تصدر صوتًا خافتًا يشبه الهمس.
أمسك بها وألقاها في البحر.
في اللحظة نفسها اختفت الأصوات.
اختفى الوجه.
وتوقف الضباب.
اشتغل المحرك فجأة، وعاد البحر هادئًا.
لكن سالم لم يكن يعرف أن الأمر لم ينتهِ.
عندما وصل إلى القرية، وجد والده واقفًا عند الشاطئ وكأنه كان ينتظره منذ ساعات.
نظر والده إلى القارب، ثم قال:
“أين الصدفة؟”
أجابه سالم:
“رميتها في البحر.”
تغير وجه والده وقال:
“كان المفروض ألا تأخذها من البداية.”
عاد سالم إلى منزله، لكنه لم يستطع النوم.
وقبل الفجر بقليل، سمع صوت قطرات ماء داخل غرفته.
قطرة... قطرة... قطرة…
فتح عينيه.
كان الباب مغلقًا.
نظر إلى الأرض، فوجد آثار أقدام مبللة تبدأ من النافذة وتنتهي بجوار سريره.
ثم سمع همسة بجانب أذنه:
“أنت أعدت الصدفة...”
صمت الصوت للحظات.
“...لكن البحر يعرف طريقك.”
قفز سالم من سريره وفتح النافذة.
لم يجد أحدًا.
لكن بعيدًا في البحر، وسط الظلام، ظهر ضوء صغير فوق سطح الماء.
ثم ظهر ضوء آخر.
ثم ثالث.
كانت أضواء قوارب الصيادين الذين اختفوا منذ سنوات.
وفي الصباح، اكتشف أهل القرية أن قارب سالم كان موجودًا على الشاطئ…
لكن سالم نفسه لم يكن موجودًا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جاء الليل وهدأ البحر، يسمع أهل القرية صوتًا قادمًا من الأعماق ينادي أسماء أشخاص ما زالوا على قيد الحياة.
ولهذا أصبح أهل القرية يغلقون أبوابهم قبل منتصف الليل، ولا يجيبون أبدًا عندما يسمعون شخصًا يناديهم من ناحية البحر.
لأنهم يؤمنون أن البحر لا يرسل الأمواج فقط…
أحيانًا يرسل شيئًا يريد أن يعود معه أحد.
please login to be able to comment