في هذا المقال
شقة بسعر لا يُصدَّق

كان أحمد شابًا في السادسة والعشرين من عمره، يعمل في إحدى الشركات، ويبحث منذ شهور عن شقة صغيرة يستطيع العيش فيها بمفرده. وبعد بحث طويل، وجد إعلانًا عن شقة للإيجار في عمارة قديمة تقع في شارع هادئ، بعيدًا عن ضوضاء المدينة.
كان الإيجار أقل بكثير من أسعار الشقق المجاورة، وهو ما أثار استغرابه، لكنه قرر معاينة المكان على أي حال.
استقبله رجل عجوز يرتدي ملابس سوداء، وكانت ملامحه جامدة بطريقة غريبة. صعد الاثنان إلى الطابق الثالث، حيث أخرج العجوز مفتاحًا صدئًا وفتح باب الشقة.
كانت الشقة واسعة نسبيًا، والأثاث قديم لكنه صالح للاستخدام. غير أن أحمد لاحظ بابًا خشبيًا صغيرًا في نهاية الممر، تعلوه طبقة كثيفة من الغبار.
سأل العجوز عن الغرفة، فتغيرت ملامحه فجأة، وقال بصوت منخفض:
«الغرفة دي مقفولة من سنين، ومش محتاج تفتحها. اعتبرها مش موجودة».
ضحك أحمد معتقدًا أن الرجل يبالغ، ثم سأله عن سبب رخص الإيجار.
اقترب العجوز منه، ونظر مباشرة في عينيه، وقال:
«لو سمعت حد بينادي عليك بالليل، مهما كان صوته مألوف، أوعى ترد».
لم يفهم أحمد معنى الكلام، لكنه وافق على استئجار الشقة، وأقنع نفسه أن الرجل مجرد عجوز غريب الأطوار.
لم يكن يعلم أن تلك الكلمات ستطارده في الأيام التالية.
الليلة الأولى.. الصوت خلف الباب
انتقل أحمد إلى الشقة في اليوم التالي، وقضى ساعات في ترتيب أغراضه وتنظيف المكان. ومع حلول الليل، شعر بشيء من الوحدة، لكنه استلقى على سريره وفتح هاتفه حتى غلبه النعاس.
في الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا، استيقظ فجأة على صوت طرقات خفيفة.
ثلاث طرقات متتالية.
تك.. تك.. تك..
جلس على السرير، وأصغى جيدًا. كان الصوت يأتي من نهاية الممر، من خلف الباب الخشبي المغلق.
انتظر قليلًا، ثم سمع صوت امرأة تهمس:
«أحمد... افتح الباب».
تجمد في مكانه.
كيف عرف أحد اسمه؟ وهل يوجد شخص داخل الغرفة أصلًا؟
حاول إقناع نفسه بأن الصوت ربما جاء من الشقة المجاورة، لكنه سمع الهمسة مرة أخرى، هذه المرة أقرب وأكثر وضوحًا:
«أحمد، أنا بردانة... افتح لي».
أمسك هاتفه وشغّل المصباح، ثم خرج ببطء إلى الممر. وعندما اقترب من الباب، توقف فجأة.
كانت هناك رائحة رطوبة شديدة، كأن الغرفة مغلقة منذ عشرات السنين.
رفع يده ليلمس المقبض، لكنه تذكر تحذير العجوز. تراجع بسرعة وعاد إلى سريره، وظل مستيقظًا حتى طلوع الشمس.
وفي الصباح، أقنع نفسه بأن الأمر مجرد كابوس.
لكن عندما مر بجوار الباب، لاحظ شيئًا جعله يشعر ببرودة تسري في جسده.
على الخشب، من الخارج، كانت هناك آثار أصابع صغيرة، كأن شخصًا ظل يحاول دفع الباب من الداخل طوال الليل.
الليلة الثانية.. الحقيقة التي اختبأت في المرآة
في اليوم التالي، قرر أحمد أن يسأل حارس العمارة عن الشقة. تردد الرجل في البداية، لكنه بعدما عرف رقمها، تغير وجهه وقال:
«إنت ساكن في الشقة دي بجد؟!»
أخبره أحمد أنه لم يلاحظ أي شيء غريب، فضحك الحارس ضحكة قصيرة خالية من المرح.
ثم قال:
«من حوالي خمسة وعشرين سنة، كانت عايشة هنا ست اسمها مريم، ومعاها بنتها الصغيرة. في ليلة من الليالي، الجيران سمعوا صراخ، وبعدها اختفى الصوت تمامًا. الشرطة دخلت الشقة، لكنها ما لقتش الأم ولا البنت. الحاجة الوحيدة اللي لقوها كانت باب الأوضة مقفول من الداخل».
سأله أحمد عما حدث بعد ذلك.
أجاب الحارس:
«من يومها، أي حد يسكن الشقة بيمشي بسرعة. وفيه ناس أقسموا إنهم سمعوا صوت بنت بتنادي عليهم من جوه الأوضة».
عاد أحمد إلى شقته وهو يشعر أن الهواء أصبح أثقل من المعتاد.
قرر المغادرة في الصباح، لكنه أراد أولًا جمع أغراضه المهمة. وبينما كان يحزم ملابسه، لمح انعكاسًا غريبًا في المرآة الموجودة بغرفة النوم.
كانت هناك طفلة تقف خلفه.
شعر بوجودها قبل أن يلتفت، لكن عندما استدار، لم يجد أحدًا.
عاد بنظره إلى المرآة.
كانت الطفلة لا تزال هناك، ترتدي فستانًا أبيض متسخًا، وشعرها الأسود يغطي جزءًا من وجهها. رفعت إصبعها الصغير وأشارت إلى الممر.
ثم فتحت فمها وقالت:
«ماما مستنياك».
تحطمت المرآة فجأة من المنتصف، وسقطت شظايا الزجاج على الأرض.
ركض أحمد نحو الباب الرئيسي، لكنه وجد المقبض لا يتحرك، وكأن شخصًا يمسكه من الخارج.
ثم انطفأت الكهرباء.
الليلة الثالثة.. الباب الذي فُتح أخيرًا
لم يعرف أحمد كم دقيقة مرت وهو يحاول فتح الباب. كان هاتفه على وشك نفاد البطارية، والظلام يبتلع الشقة من حوله.
وفجأة، سمع صوت الطرقات الثلاث مرة أخرى.
تك.. تك.. تك..
لكن هذه المرة لم تأتِ من الغرفة المغلقة.
بل جاءت من داخل الحائط خلفه.
ثم سمع صوت العجوز نفسه يهمس بالقرب من أذنه:
«قلت لك ما تفتحش الباب».
استدار أحمد مذعورًا، لكنه لم يرَ أحدًا.
في اللحظة التالية، انفتح الباب الخشبي وحده ببطء.
لم يكن خلفه ما توقعه. لم تكن هناك غرفة عادية، بل ممر طويل مظلم، أطول بكثير من مساحة الشقة نفسها، تتدلى من سقفه مصابيح ضعيفة تتأرجح رغم انعدام الهواء.
وفي نهاية الممر، وقفت الطفلة.
قالت بصوت هادئ:
«إنت اتأخرت أوي يا أحمد».
حاول الرجوع، لكنه شعر بشيء بارد يمسك بيده. نظر إلى الأسفل، فرأى أصابع شاحبة تخرج من الظلام وتتشبث بمعصمه.
صرخ وحاول الإفلات، لكن الباب الرئيسي أُغلق خلفه بقوة.
ثم ظهر وجه امرأة في نهاية الممر، وجه شاحب وعينان واسعتان لا ترمشان.
قالت المرأة:
«هو اللي جابك هنا؟»
لم يستطع أحمد الإجابة.
ابتسمت المرأة ابتسامة بطيئة، ثم أشارت إلى الحائط بجانبها.
كان هناك عشرات الأسماء محفورة على الخشب، بعضها قديم وبعضها حديث.
وفي أسفل القائمة، رأى أحمد اسمه مكتوبًا بوضوح.
وبجانبه تاريخ اليوم التالي.
صرخ بأعلى صوته، لكن الممر ابتلعه، واختفت الأضواء واحدة تلو الأخرى.
وفي اللحظة الأخيرة، سمع صوت الطفلة يقول:
«دلوقتي دورك تستنى حد يفتح الباب».
النهاية.. المستأجر الجديد
في صباح اليوم التالي، حضر حارس العمارة ليتفقد الشقة بعدما سمع أصواتًا غريبة طوال الليل.
وجد الباب الرئيسي مفتوحًا، والأثاث في مكانه، وهاتف أحمد ملقى على الأرض بجوار الباب الخشبي.
لكن أحمد نفسه اختفى.
أبلغ الحارس الشرطة، وبدأ التحقيق، إلا أنهم لم يعثروا على أي أثر يدل على مكان الشاب. والأغرب أنهم عندما فحصوا الغرفة المغلقة، لم يجدوا خلف بابها سوى جدار قديم، بلا ممرات أو نوافذ.
بعد أسبوع، نُشر إعلان جديد عن الشقة للإيجار، بسعر أقل من السابق.
وفي المساء، جاء شاب آخر لمعاينة المكان.
استقبله رجل عجوز يرتدي ملابس سوداء، وصعد معه إلى الطابق الثالث.
فتح العجوز الباب، ثم أشار إلى الشقة بابتسامة غريبة.
وقبل أن يدخل الشاب، سمع صوتًا خافتًا يأتي من نهاية الممر:
«لو سمحت... افتح الباب».
توقف الشاب وسأل العجوز:
«هو فيه حد جوه؟»
اختفت الابتسامة من وجه الرجل، وقال:
«لأ، مفيش حد».
لكن خلف الباب الخشبي، كان أحمد يقف في الظلام، يضرب بيديه على الخشب، ويصرخ بكل قوته.
لم يكن يستطيع رؤية الشاب، لكنه كان يسمع أنفاسه بوضوح.
اقترب أحمد من الباب وهمس للمرة الأخيرة:
«أرجوك... ما تدخلش».
غير أن الشاب لم يسمع التحذير.
فقد كان العجوز قد بدأ بالفعل في تسليمه المفتاح.
تابع جديد Marwan Tamer
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق