عالم كبير خارج النافذة
عالم كبير خارج النافذة
كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية عبر نافذة الغرفة، لكن بالنسبة لرامي، كان هذا المشهد هو كل ما يعرفه عن "العالم". رامي، الفتى الذي وُلد بتحديات حركية وبصرية جعلت من جدران غرفته حدودًا لكونه، كان يمتلك أذناً موسيقية تُلتقط أدق التفاصيل، بينما كانت شقيقته نغم تمتلك قلباً يرفض أن يرى شقيقه "مُراقبًا" للحياة من بعيد بدلاً من أن يكون جزءاً منها.
ذات صباح، وقفت نغم تراقب رامي وهو يحاول تلمس بتلات وردة وضعتهُا له في أصيص صغير. قالت لنفسها: "الوردة جميلة، لكن رامي يستحق الحديقة بأكملها". من هنا بدأت رحلة "مشروع نغم" لإخراج رامي إلى الضوء.

الخطوة الأولى: كسر حاجز الخوف
كان التحدي الأكبر ليس في جسد رامي، بل في قلقه من الأصوات المرتفعة والزحام. بدأت نغم بخطة ذكية؛ أحضرت "مسجلاً" وسجلت أصوات الشارع: بائع الحليب، زقزقة العصافير في المنتزه القريب، وضحكات الأطفال. كانت تشغل هذه الأصوات يومياً، وتصف لرامي بكلمات حية كل صوت منها، حتى صار الشارع بالنسبة له ليس مكاناً غريباً، بل "سمفونية" مألوفة ينتظر سماعها.
الرحلة الكبرى
في يوم الجمعة المشمس، جهزت نغم الكرسي المتحرك، وزينته بأشرطة ملونة اختار رامي ملمسها بنفسه. قالت له بصوت يملؤه الحماس:
— "اليوم يا رامي، لن نسمع العصافير من المسجل، سنذهب لنطعمها!"
عندما خرجا، كانت نغم بمثابة "العين" التي يرى بها رامي. لم تكتفِ بدفعه، بل كانت تتوقف عند كل شجرة. تمسك يده وتجعلها تلمس لحاء الشجر الخشن، ثم تضع يده على أوراق الياسمين الناعمة. كانت تصف له لون السماء عبر تشبيهات يفهمها: "السماء اليوم يا رامي باردة ومنعشة مثل كوب الماء الذي تحبه".
المشاركة الحقيقية
في المنتزه، لم ترد نغم لرامي أن يظل جالساً في زاوية. توجهت به نحو مجموعة من الأطفال يلعبون بالكرة. في البداية، ساد صمت قصير، لكن نغم بذكائها قالت:
— "رامي لديه قدرة عجيبة، يمكنه معرفة اتجاه الكرة من صوت ارتطامها بالأرض، من يريد أن يتحدى بطلنا؟"
تحول الموقف من نظرات فضول إلى تفاعل حقيقي. صار الأطفال يرمون الكرة برفق، ورامي يضحك من قلبه وهو يشير بيده نحو مصدر الصوت. في تلك اللحظة، لم يعد رامي "ذوي احتياجات خاصة" في نظرهم، بل كان "الزميل الجديد" في اللعبة.
عند عودتهما للمنزل، لم يكن رامي متعباً، بل كان يشع طاقة. أمسك يد نغم وهمس: "نغم، اليوم شعرت أن العالم واسع جداً، وأنا لست صغيراً فيه".
أدركت نغم حينها أن المساعدة الحقيقية لم تكن في توفير الراحة لرامي، بل في منحه الثقة ليواجه الرياح. لقد أثبتت أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في العزلة، وأن الحب هو الجسر الوحيد الذي يمكنه نقلنا من خلف النوافذ المغلقة إلى قلب الحياة.
وكما قال الشاعر:
مَا أَجْمَلَ الطِّفْلَ يَلْهُو فِي بَرَاءَتِهِ
كَأَنَّهُ القَمَرُ المَنْسُوجُ مِنْ طُهْرِ
يَبْنِي قُصُوراً مِنَ الأَحْلامِ يَرْفَعُهَا
وَيَهْدِمُ الحُزْنَ فِي سَاعَاتِهِ العَشْرِ
لا الحِقْدُ يَعْرِفُهُ، لا الهَمُّ يُتْعِبُهُ
وَالكونُ فِي عَيْنِهِ أُنْشودَةُ الفَجْرِ