على حافة الغياب
على حافة الغياب

لم تكن مريم ضعيفة، لكنها كانت مُرهَقة. إرهاق لا يُرى، يشبه حمل أشياء ثقيلة داخل الصدر طوال الوقت. تعلّمت مبكرًا أن تكون قوية، أن تحتوي الآخرين، أن تُنقذ من تحب حتى لو غرقت هي. لذلك حين دخل فادي حياتها، لم تفتح له الباب دفعة واحدة، تركته يقف طويلًا، يراقب، يختبر، إلى أن اطمأنت لفكرة وجوده أكثر من وجوده نفسه.
فادي لم يكن سيئًا، وهذا ما جعل الأمر أصعب. كان رجلًا فقد الكثير دون أن يحزن بصوت عالٍ. تعلّم أن يبتسم بدل أن يشرح، وأن ينسحب بدل أن يواجه. كان يحمل داخله خوفًا قديمًا من التعلّق، لأن كل ما تعلّق به يومًا انكسر. حين أحب مريم، أحبها بحذر، وكأن قلبه يمشي على أرض زجاجية.
في البداية، كان الحب بسيطًا. رسائل طويلة، صمت مريح، ضحك بلا أسباب. شعرت مريم لأول مرة أنها لا تحتاج لأن تشرح نفسها، وأن هناك من يراها دون أن تطلب. لكنها مع الوقت بدأت تلاحظ الفراغات: غيابه المفاجئ، تردده في الخطوات الجدية، طريقته في الهروب حين تقترب الأسئلة. كانت تسأل نفسها إن كانت تبالغ، أم أن قلبها يلتقط ما يتجاهله عقلها.
تدخّل الآخرون دون قصد. صديقة ترى في الحب مخاطرة، أخ يخاف عليها من الخذلان، ماضٍ يعود على هيئة ذكريات مؤلمة. كل صوت كان يضيف شكًا جديدًا. وفادي، بدل أن يطمئنها، ازداد صمتًا. كان يظن أن الهدوء يحمي العلاقة، بينما كانت مريم ترى فيه جدارًا يرتفع بينهما.
تحوّل الحب إلى صراع خفي. لم تكن هناك خيانة، ولا صراخ، فقط تراكم بطيء للألم. بدأت مريم تشعر أنها تحب وحدها، وأنها تبذل أكثر مما تتلقى. وبدأ فادي يشعر أنه محاصر بتوقعات لا يعرف كيف يلبيها. الكره لم يولد فجأة، بل تسرّب على هيئة ضيق، ثم فتور، ثم تعب عميق.
وحين افترقا، لم يكن القرار واضحًا. لم يقل أحد "انتهى"، فقط توقفا عن المحاولة. شعرت مريم بالضياع، ليس لأنها فقدته، بل لأنها فقدت نفسها وهي تحاول أن تُبقيه. وشعر فادي بالفراغ، لأنه أدرك متأخرًا أن الهروب لا يمنع الألم، بل يؤجله.
مرّ الوقت. تعلّمت مريم أن تختار نفسها دون شعور بالذنب. وتعلّم فادي أن المواجهة أقل قسوة من الفقد. لم يعودا كما كانا، لكنهما صارا أكثر صدقًا مع نفسيهما.
وفي مكان ما، على حافة الغياب، بقيت قصتهما شاهدة على حقيقة واحدة: الحب لا يكفي وحده، والكره ليس عكسه، أما الضياع الحقيقي فهو أن نخاف من أن نكون صادقين.
بعد الفراق، اكتشفت مريم أن الألم لا يأتي دفعة واحدة. يأتي على شكل أيام عادية. صباحات تشبه غيرها، قهوة بنفس الطعم، شوارع لم تتغيّر، لكنها هي التي لم تعد كما كانت. كانت تظن أن الغياب فراغ، لكنها فهمت سريعًا أنه امتلاء خانق بالذكريات.
كانت تراجع نفسها بلا رحمة. تسأل: هل أحببت أكثر مما يجب؟ هل طلبت أشياء بسيطة أم كانت تطلب حياة كاملة من قلب نصف حاضر؟ لم تكن تندم على الحب، بل على صبرها الطويل، على محاولاتها المستمرة لتبرير الغياب، على خوفها من الخسارة الذي جعلها تقبل بالقليل.
في الليل، كان صوته يعود بلا استئذان. ليس صوته الحقيقي، بل صوته كما تخيلته دائمًا: هادئ، مطمئن، حاضر. كانت تكره هذا الصوت، لأنه لا يشبه الواقع، ولأنه يذكّرها بأنها أحبت فكرة أكثر مما أحبت شخصًا كاملًا.
أما فادي، فكان الضياع عنده مختلفًا. لم يبكِ، لم ينهار، لكنه شعر لأول مرة بثقل الصمت الذي اعتاده. اكتشف أن انسحابه الدائم تركه وحيدًا، وأن المسافة التي ظنها أمانًا صارت عزلة. حاول أن يقنع نفسه أنه فعل الصواب، لكنه كان يعلم أن الشجاعة التي تأخرت لا تُصلح ما فسد.
مرت شهور، وتغيّرت مريم ببطء. صارت أقل حدة، أقل انتظارًا، وأكثر وعيًا بذاتها. لم تعد تبحث عن من يكملها، بل عن من يسير بجانبها دون أن يُجبرها على التنازل عن نفسها. لم تعد تكره فادي، لكنها لم تعد تبرره أيضًا. وهذا كان أكبر انتصار.
وفي لحظة هادئة، بلا دموع ولا غضب، فهمت الحقيقة التي أخافتها طويلًا:
بعض الناس لا يأتون ليبقوا، بل ليعلّمونا أين نضع حدودنا، وكيف نحب دون أن نضيع.
مرت سنتان دون أن تلتقيا. لم يكن الفراق قرارًا شجاعًا، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليترك أثره. تعلّمت مريم خلالهما أن تعيش دون انتظار رسالة، دون أن تربط قيمتها بحضور أحد. أصبحت أخف، ليس لأن الألم اختفى، بل لأنه لم يعد يتحكم فيها. صارت ترى الحب كاختيار، لا كخلاص.
وفي مساء عابر، التقيا بالصدفة. لا موسيقى، لا لحظة سينمائية. مقهى صغير، نظرة مترددة، وابتسامة مهذبة. جلسا دقائق بدت أطول من سنوات الغياب. لم يسأل أحد عن سبب الرحيل، ولم يفتحا دفاتر العتاب. كان كل شيء واضحًا دون شرح.
رأت مريم في عينيه رجلًا أكثر هدوءًا، أقل خوفًا. ورأى فادي امرأة لم تعد تنتظر منه شيئًا. تحدثا عن العمل، عن الأيام، عن أشياء لا تؤلم. وحين جاء وقت الرحيل، لم يتشبث أحد. فقط وداع بسيط، يشبه الامتنان أكثر من الحنين.
خرجت مريم وهي تدرك أن الحب الذي كان يومًا جرحًا صار ذكرى نظيفة. وخرج فادي وهو يفهم أخيرًا أن بعض الخسارات لا تُسترد، لكنها تُنقذنا من تكرار أنفسنا.
لم يعودا لبعضهما، ولم يبقَ بينهما كره. بقي فقط أثر إنساني عميق، ودرس لا يُنسى:
أننا لا نضيع حين نفقد من نحب، بل نضيع حين نفقد أنفسنا ونحن نحاول أن نبقى.
وهكذا انتهت قصتهما، لا بانتصار ولا بهزيمة، بل بسلام يشبه النضج… سلام يأتي بعد أن نتوقف عن الهروب، وبعد أن نختار الصدق، حتى لو كان وحده.