الراكب الأخير في المقعد 17
الراكب الأخير في المقعد 17
لم يكن "سليم" يؤمن بالأشباح.
كان يرى أن كل قصة عن الأرواح والقطارات المسكونة مجرد خرافات يتداولها الناس لإخافة بعضهم البعض. لكن في تلك الليلة، حدث شيء جعله يتمنى لو كان أكثر خوفًا.
كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا عندما وصل إلى محطة القطار القديمة.
لم يكن هناك سوى مصباح واحد يعمل فوق الرصيف، وكان يضيء وينطفئ بطريقة جعلت المكان يبدو وكأنه يتنفس.
نظر سليم إلى ساعة المحطة.
2:57.
ثم سمع صوت القطار.
ظهر قطار أسود من بين الضباب، دون أضواء واضحة، ودون أن يصدر صوتًا يشبه أصوات القطارات المعتادة.
توقّف أمامه.
فتح الباب.
لم يكن هناك أي موظف.
صعد سليم.
وجد نفسه في عربة شبه مظلمة، تحتوي على سبعة عشر مقعدًا.
جلس في المقعد رقم 17.
وبمجرد أن جلس، انغلق الباب.
تحرك القطار.
أخرج هاتفه، لكنه فوجئ بعدم وجود شبكة.
حاول الاتصال بأحد أصدقائه، فلم يستطع.
ثم لاحظ شيئًا غريبًا.
رغم أن القطار كان يسير بسرعة كبيرة، لم تكن هناك أي محطات أو مبانٍ أو أضواء خلف النافذة.
فقط ظلام.
بعد عدة دقائق، سمع صوتًا بجواره.
"أنت جديد هنا؟"
التفت سليم.
كان هناك رجل عجوز يجلس في المقعد المقابل.
كان شاحب الوجه، ويرتدي معطفًا أسود قديمًا.
قال سليم:
"أين نحن؟"
لم يجب الرجل.
بل نظر إلى المقعد رقم 17 وقال:
"كان يجب ألا تجلس هنا."
ضحك سليم بتوتر.
"ولماذا؟"
رفع الرجل عينيه إليه وقال:
"لأن صاحب هذا المقعد لم ينزل منذ عشرين عامًا."
شعر سليم بقشعريرة.
وقبل أن يستطيع الرد، انطفأت أنوار العربة.
ساد الظلام.
ثم سمع صوتًا يأتي من نهاية العربة.
"هل وصل؟"
أجاب صوت آخر:
"نعم… إنه في المقعد 17."
فتح سليم هاتفه بسرعة وأشعل المصباح.
اختفى الرجل العجوز.
لم يعد هناك أحد.
وقف سليم واتجه نحو الباب بين العربات.
لكن قبل أن يصل إليه، ظهر على الزجاج انعكاس وجهه.
ثم لاحظ شيئًا خلفه.
كان هناك شخص يجلس في المقعد 17.
تجمد سليم.
استدار بسرعة.
المقعد كان فارغًا.
نظر إلى الزجاج مرة أخرى.
كان الشخص لا يزال هناك.
لكن هذه المرة كان أقرب.
رفع رأسه ببطء.
كان وجهه أبيض تمامًا، وعيناه سوداوين، وعلى فمه ابتسامة واسعة بشكل غير طبيعي.
ثم رفع يده وأشار إلى سليم.
"انزل."
تراجع سليم.
وفجأة توقف القطار.
انفتح الباب.
نظر إلى الخارج.
كانت هناك محطة قديمة مغطاة بالضباب.
وعلى اللافتة كُتب:
"المحطة الأخيرة."
نزل سليم.
لكن بمجرد أن وضع قدمه على الرصيف، سمع صوت القطار خلفه.
التفت.
لم يكن هناك قطار.
ولا محطة.
ولا حتى القضبان.
كان يقف وحده في مكان مظلم تمامًا.
ثم سمع صوتًا خلفه:
"أخيرًا وصلت."
استدار.
كان الرجل العجوز واقفًا خلفه.
لكن وجهه تغير.
أصبح وجهًا يعرفه سليم جيدًا.
كان وجه والده المتوفى منذ عشرين عامًا.
صرخ سليم:
"أبي؟!"
ابتسم الرجل وقال:
"تأخرت كثيرًا."
ثم أشار إلى الظلام خلف سليم.
استدار سليم ببطء.
كان هناك قطار يقف خلفه.
نفس القطار.
لكن هذه المرة كانت جميع عرباته مضاءة.
وكانت النوافذ مليئة بالركاب.
ركاب شاحبة وجوههم، صامتون، يحدقون فيه.
ثم بدأوا جميعًا يرفعون أيديهم في نفس اللحظة.
وأشاروا إلى المقعد رقم 17.
فتح باب القطار.
وخرج صوت من داخله:
"الراكب الأخير… يجب أن يعود إلى مقعده."
وفي صباح اليوم التالي، عثر عمال المحطة على هاتف سليم فوق الرصيف.
كان الهاتف لا يزال يعمل.
وعلى شاشته صورة التقطت تلقائيًا في الساعة 3:17.
ظهر فيها سليم جالسًا داخل القطار.
لكن الغريب أنه لم يكن وحده.
كان جميع المقاعد ممتلئة بأشخاص موتى.
وفي المقعد رقم 17…
كان سليم يجلس مبتسمًا.
وتحت الصورة ظهرت جملة واحدة:
"الرحلة القادمة ستغادر الليلة… والمقعد 18 محجوز."
