لا تنظر للخلف
لا تنظر للخلف
الجزء الثالث
ربطت سارة العصابة السوداء حول عينيها بإحكام، تاركةً ظلاماً كاملاً يحتوى حواسها. أغلقت عينيها تحت القماش كي تمنع نفسها من أي محاولة استجابة غريزية للرؤية. في المقابل، فعل الدكتور عادل المثل، وأمسك كل منهما بطرف حبلٍ متين يُبقيهما متصلين وسط مجرى الأنفاق السفلية.
تحول العالم بالنسبة لسارة إلى خريطة من الأصوات، والبرودة، وملمس خطوط الأنابيب الباردة التي يلمسونها بأيديهم اليسرى كدليلٍ للمسار.
طوال ساعات من المشي المتواصل في مياه النفق الرطبة، كانت الكائنات تُحاصر حواسهما الأخرى. لم تكن تقدر على تجسيد أشكالها لمن يمتنع عن الرؤية، لكنها استغلت الصوت بكل قسوة.
بدأت جدران النفق تهمس. لم تكن الهمسات مجرد أصوات مألوفة، بل كانت تستخدم ذكريات سارة لتخلق واقعاً صوتياً كاملاً:
سمعت صوت تحطم زجاج شقتها القديمة، صوت خطوات مريم وهي تركض نحوها، وصوت والدهما وهو ينادي باسمها بنبرة تختنق بالدموع: “سارة... افتحي عينيكِ فقط كي ترينِي لمرة أخيرة قبل أن أرحل.”
قبضت سارة على الحبل بقوة حتى أبيضّت مفصل أصابعها. كانت تكرر في سرها كالمعوذة: هذا مجرد صدى... ليسوا هم. الوعي هو الطُعم.
فجأة، توقفت حركة الدكتور عادل على الطرف الآخر من الحبل.
"عادل؟" همست سارة بصوت لا يكاد يُسمع.
لم يأتها رد لفظي، بل سمعت صوت أنفاسه المتهدجة وصوت اصطكاك أسنانه من الرعب. يبدو أن الصوت الذي كان يستمع إليه كان أقوى من قدرته على الاحتمال. سمعت حركة يده وهي ترتفع نحو عصابة عينيه كي يرفعها.
"عادل! لا تلمس عصابة عينيك!" صرخت سارة واندفعت نحو مصدر صوته في الظلام.
لكن الأوان كان قد فات. سمعت صوت شهقة حادة وصادرة من أعماق حنجرته فور رفعه القماش عن عينيه—لقد ألقى نظرة.
توقفت أنفاس عادل تماماً. لم يصرخ، ولم يتحرك. تحول جسده خلال ثوانٍ إلى كتلة متصلبة. عندما لمست سارة يده، كانت برودة الموت تكسوها، وسقط الحبل من أصابعه الجافة. لقد ابتلع الكيان وعيه في كسور من الثانية.
وقفت سارة وحدها في الظلام المطلق، تحيط بها مياه النفق العميقة وأصوات الهمس التي أصبحت أكثر حدة وابتهاجاً بعد أن ظفرت بضحيتها الجديدة.
لكن القلق والحداد لم يكن لهما مكان الآن؛ خطت سارة للأمام ببطء، معتمدة على صدى صدمات قدميها في الماء للتعرف على اتساع النفق.
بعد مسيرة أرهقت جسدها تماماً، شعرت سارة بتغير في تيار الهواء. كان هواءً نقياً، جافاً، ويحمل رائحة الشمس والتراب. كانت قد وصلت إلى مخرج الأنفاق الممتد خارج نطاق المدينة السكنية، حيث المنطقة الريفية المفتوحة.
نزعت سارة العصابة عن عينيه ببطء شديد، مخلية المجال لجفنيها كي يفتحهما على استياء الضوء النامي.
كانت الشمس تشرق على حقل واسع، لا توجد فيه أسقف، ولا جدران، ولا زوايا ميتة لتختبئ فيها الظلال. في المساحات المفتوحة، لم تكن هناك هياكل تسمح للكيانات بالتجمع أو توجيه انتباه البشر نحو نقطة محددة.
على بعد مسافة قصيرة، رأت سارة مخيماً صغيراً من الخيام القماشية المفتوحة من جميع الجهات. كان ينشطه بضع عشرات من الناجين؛ يسيرون جميعاً ووجوههم مائلة للأسفل، يستخدمون العصي الملموسة للتحرك، ويتبادلون الإشارات عبر النقر بدلاً من الحديث الصوتي لتجنب استدعاء الأصوات المقلدة.
أدركت سارة الحقيقة الأخيرة للحيويّة الجديدة: العالم القديم القائم على الرؤية الفائقة والتقنيات العاكسة قد انتهى. البشرية لن تنقرض، لكنها ستتعلم العيش بطريقة مختلفة تماماً.
جلست سارة على الأرض الترابية، ورفعت وجهها لنور الشمس الدافئ دون أن تنظر للخلف، ولا للأعلى، بل مستمتعةً بالضوء الذي يغمر جفنيها المغلقين بثبات.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق