النزيل رقم 7: الفخ الجليدي في وادي السحاب

خلف زجاج المرآة: الجانب الآخر من الخوف
لم تكن قرية "وادي السحاب" مجرد مكان ناءٍ تحيط به الجبال، بل كانت فخاً جغرافياً تغلفه الضباب السرمدي. في تلك الليلة الخريفية، كان "طارق" يسير بسيارته القديمة عبر الطريق الجبلي الوعر، هرباً من صخب المدينة، يبحث عن العزلة ليكمل كتابة روايته الجديدة. لم يكن يعلم أن الحكاية هي التي ستكتبه.
توقفت المحرك فجأة دون إنذار سابق. هبط تاركاً السيارة، ليتسلل البرد القارس إلى عظامها متبوعاً بسكون خافت، سكون لا يوصف بقلة الصوت، بل بثقل يضغط على الأذن. في منتصف الطريق، لملم الضباب أطرافه ليكشف عن نزل قديم مبني من الحجارة السوداء، تتصاعد من مدخنته شعلة خضراء باهتة.
دفع طارق الباب الخشبي الثقيل، فأصدر أزيراً حاداً هز الثبات المحيط. كان النزل فارغاً، باستثناء رجل عجوز يجلس خلف منصة الاستقبال، وججهه مليء بالتجاعيد العملاقة كأنها شقوق في أرض جافة، وعيناه غائبتان تماماً تحت حدقتين بيضاوين بالكامل. لم يتكلم العجوز، بل أشار بيده النحيلة نحو مفتاح حديدي ثقيل يحمل الرقم (7).
أخذ طارق المفتاح وصعد السلالم الخشبية التي كانت تئن تحت كل خطوة. كان الممر الطويل مظلماً، والمصابيح المتموجة تعكس ظلالاً غير متناسقة مع حركته؛ كان ظله على الجدار يتحرك بأناقة بطيئة بينما هو يسير بسرعة. أخيرًا، فتح باب الغرفة رقم 7.
كانت الغرفة بسيطة، تتكون من سرير خشبي، ومكتب، بمرآة ضخمة مغطاة بقماش أسود سميك في الزاوية. اتجه طارق للمكتب، أخرج حاسوبه، وبدأ الكتابة لقطع الشك باليقين. ولكن بمجرد أن بدأت أصابعه تلمس اللوحة، سمع صوتاً خافتاً يأتي من خلف القماش الأسود.
همسٌ باسمه.
تجمعت الدماء في رأس طارق، وتوقف تنفسه. رفع رأسه ببطء نحو المرآة المغطاة. لم يكن الرعب يكمن في الصوت وحده، بل في النبرة... كانت النبرة تطابق صوته هو تماماً.
اقترب من المرآة بخطوات مترددة، ومد يده ليزيح القماش الأسود. سقط الغطاء على الأرض، وللوهلة الأولى، انعكست صورته بشكل طبيعي. تنفس بصبراً وأمر نفسه بالهدوء، واصفاً ما يحدث بأنه مجرد إرهاق عصبي. ولكن عندما التفت ليعود إلى المكتب، لاحظ شيئاً جعل قلبه يتوقف عن النبض.
في المرآة، لم يلتفت انعكاسه!
ظلت الصورة المنعكسة واقفة، تحدق في ظهره بابتسامة عريضة غير بشرية، اتسعت حتى لامست أطراف أذنيها. بدأ الانعكاس يرفع يده ببطء ويطرق على زجاج المرآة من الداخل. طق... طق... طق.
تراجعت أقدام طارق إلى الخلف حتى اصطدم بالباب، محاولاً فتحه، لكن المقبض كان مجمداً ومقفلاً بإحكام. انشق زجاج المرآة بشعر ناعم، ثم امتدت يد شاحبة عظمية من خلال الكسر، تسحب نفسها إلى خارج الإطار لتخرج إلى الغرفة. لم تكن الكائن سواه؛ نسخة مشوهة منه، بلا عينين، بل بفتحتين سوداوين ينبعث منهما الدخان.
صرخ طارق وسقط أرضاً، يحاول الزحف نحو النافذة، لكن أرضية الغرفة بدأت تتآكل وتتحول إلى فراغ أسود لا قاع له. سحبت اليد الشاحبة كاحله بقوة هائلة، وبدأ ينجر نائماً نحو المرآة المكسورة. حاول الإمساك بأطراف السجاد، لكن القوة كانت أعظم من قدرته.
في اللحظة التي عبر فيها رأسه زجاج المرآة، انطفأت الأضواء تماماً، وانقطع الصراخ.
في الصباح التالي، أشرقت الشمس ببرود على وادي السحاب. دخل العجوز الغرفة رقم 7، وجد الحاسوب مفتوحاً، والسرير مرتباً، والمرآة مغطاة بالقماش الأسود من جديد. نزع العجوز الغطاء، ليعكس الزجاج صورة طارق، واقفا بالداخل، يطرق الزجاج بيأس وصمت، في انتظار النزيل القادم ليأخذ مكانه.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق