همسات الممر رقم 7: حارس وردية المنتصف

صداء الأسِرّة: حين تستيقظ الجدران المهجورة
لم تكن الوظيفة مغرية بأي شكل من الأشكال، لكن المبلغ المعروض لقاء حراسة المستشفى القديم في أطراف المدينة كان كافياً لجعلي أتغاضى عن الشائعات المتداولة بين أهالي المنطقة. المستشفى تم إغلاقه قبل ثلاثين عاماً إثر حادث غامض أدى إلى وفاة الطاقم الطبي وعدد من المرضى في ليلة واحدة، وظل البناء مهجوراً يقاوم طغيان الطبيعة ورطوبة السنين.
كانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحاً عندما بدأت جولتي التفقدية الأولى. فتحت باب الطابق الأرضي، فاندفعت نحو وجهي موجة هواء برائحة المنسوجات المبتلة والمطهرات القديمة. كان الممر طويلاً ومظقاً، تضاء جنباته بوعكات ضوئية متقطعة من كشافي اليدوي. الأثاث الطبي المتآكل والأكوام المتراكمة من الملفات الممزقة كانت تمنح المكان طابعاً كابوسياً، لكنني حاولت الحفاظ على هدوئي عبر الاستماع لموسيقى هادئة من هاتفي.
عندما وصلت إلى الممر رقم 7، المتخصص قديماً في العناية المركزة، توقفت فجأة. سمعتُ صوت طنين منتظم، يشبه الصوت الصادر عن أجهزة قياس نبضات القلب القديمة. تسارعت أنفاسي ووجهت الضوء نحو مصدر الصوت؛ كانت هناك حشرجة ميكانيكية تصدر من إحدى الغرف المفتوحة جزئياً.
خطوت بخطوات بطيئة ومترددة نحو الغرفة. دفعت الباب الخشبي المتهالك، فصدر عنه صرير حاد تسبب في قشعريرة سرت في جسدي بالكامل. دخلت الغرفة، ووجدت سريراً أفقياً يتوسط المكان، ومجموعات من الأنابيب البلاستيكية المتصلة بجهاز معدني صدئ يعمل بالفعل، وشاشته الرمادية تومض بجرعات ضوئية باهتة تُظهر خفوقاً منتظماً لنبضات قلب!
تراجعت خطوتين إلى الخلف، متسائلاً كيف يعمل جهاز كهربائي في مستشفى قُطعت عنه الكهرباء منذ عقود. في تلك اللحظة، انطفأ كشافي اليدوي كلياً. ساد الظلام الدامس، وانقطع صوت الموسيقى من هاتفي ليحل محله صوت أنفاس متعددة ومتداخلة تنبعث من كل زاوية في الغرفة.
حاولت تشغيل الكشاف بكل قوتي، لكن الزر كان معطلاً. فجأة، أضاءت شاشة جهاز نبضات القلب بقوة، لترسم خيالاً لعدة أجساد بشرية تنحني فوق السرير، ثم التفتت جميعها نحوي في وقت واحد. كانت عيونهم تشع بنور أبيض باهت، ووجوههم خالية من أي ملامح بشرية واضحة، وكأنها طُيست بفعل الزمن.
ركضت نادماً نحو الممر، لكن الأبواب التي مررت بها سابقاً كانت تُغلق واحداً تلو الآخر بعنف شديد. الصوت الذي كان يتبعني لم يكن صوت أقدام، بل كان صوت عجلات الأسِرّة المعدنية وهي تُدفع بسرعة على البلاط المكسور. كنت أسمع الهمسات تتصاعد وتتردد بين الجدران: "حان وقت الفحص الطبي يا حارس.. لن يغادر أحد وردية الليلة."
وصلت إلى الباب الرئيسي وحاولت فتحه بكل قوتي، لكن المقبض الحديدي كان يتجمّد تحت يدي وكأنه قطعة ثلج. ملتفتاً إلى الخلف، رأيت الظلال تتقدم نحو ضوء الشاشة الضعيف في يدي. أدركت حينها أن المستشفى لم يكن مهجوراً قط، بل كان ينتظر زاهقاً جديداً ليُكمل طاقمه المفقود.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق