صمت الغابات: السر المدفون تحت الثلج

صمت الغابات: السر المدفون تحت الثلج

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about صمت الغابات: السر المدفون تحت الثلج

ظلال في العاصفة: ما تتركه الذاكرة خلفها

لم تكن الفكرة مجرد كتابة رواية جديدة، بل كانت محاولة للاختفاء. اخترتُ ذلك الكوخ المنسي في أعلى التلة، حيث تحيط به أشجار الصنوبر الكثيفة وتغطيه طبقات متراكمة من الثلج الذي لم يذُب منذ سنوات. كان المكان يبدو وكأنه نُزع من زمن آخر، بعيداً عن صخب المدينة وأجهزة الاتصال التي لا تتوقف عن الرنين. كل ما كنت أحتاجه هو طاولة خشبية، ومصباح دافئ، ومجموعة من الأوراق الفارغة لأعيد ترتيب حياتي التي بعثرتها الخسائر المتتالية.

في اليوم الأول، كان الصمت صديقاً أليفاً. صوت تكسّر الحطب في المدفأة وموسيقى الرياح الخفيفة في الخارج كانا الكفيلين بمنحي إلهاءً محبباً. بدأت أكتب بشغف، أسكب على الورق قصة رجل فقد كل شيء وقرر أن يعيش في عزلة تامة. كانت الشخصية تشبهني إلى حد مثير للقلق، لكنني اعتبرت ذلك نوعاً من التفريغ النفسي الطبيعي.

بحلول اليوم الثالث، تغير كل شيء. هبت عاصفة ثلجية عاتية، وحاصرت الكوخ بالكامل. أصبحت الرؤية عبر النافذة الزجاجية مستحيلة، وكأن العالم الخارجي قد تلاشى كلياً تحت رداء أبيض كثيف. مع اشتداد العاصفة، بدأ الصمت يغير ملامحه؛ لم يعد مريحاً بل أصبح ثقيلاً ومحمولاً بضغط غريب يزن على الصدر.

في إحدى الليالي، وأنا أجلس تحت ضوء المصباح الخافت، سمعتُ صوت وقع أقدام ثقيلة على السقف. توقفت عن الكتابة وركّزت انتباهي. تكرر الصوت، ثم تبعه صوت احتكاك خفيف بالخشب، وكأن هناك من يحاول الدخول. حاولت إقناع نفسي بأنها مجرد أغصان الأشجار الثقيلة المحملة بالثلج، لكن الحركة كانت منتظمة ومحسوبة.

أخذت المصباح اليدوي وتحركت ببطء نحو الممر المؤدي إلى الباب الخلفي. كانت البرودة تزداد كلما اقتربت. عندما فتحت الباب بحذر، لم أجد أحداً، سوى أثر أقدام واضحة على الثلج؛ أقدام تتجه نحو الداخل ثم تختفي عند العتبة تماماً!

عدت إلى الداخل وأغلقت الباب بقوة، وقلبي يفرز جرعات متتالية من الأدرينالين. على الطاولة، وجدت الأوراق التي كنت أكتب عليها مبعثرة على الأرض. عندما جمعتها، لاحظت شيئاً جعل أطرافي تتجمد: كانت الجملة الأخيرة في الصفحات مكتوبة بخط يدي، لكنني لم أكتبها قط: "إنك لا تكتب القصة، أنت تذكرها فقط."

بدأت الفواصل بين ما أصنعه على الورق وما يحدث في الواقع تتآكل. بدأت أرى ظلالاً تتحرك في زوايا الغرفة، وشخصيات الرواية لم تعد مجرد حبر، بل أصبحت حقيقة تتنفس البرودة في الردهة. اكتشفت أن الكوخ لم يكن مهجوراً كما ظننت، بل كان يخزن كل كلمة قيلت فيه، وكل ذئب داخلي حاول ساكنوه الهرب منه.

لم تكن العاصفة في الخارج هي ما يحاصرني، بل كان الماضي الذي ظننت أنني تركته خلفي في المدينة. في تلك الليلة المظلمة، أدركت أن العزلة لا تمنحك السلام دائماً، بل أحياناً ترفع الستار عن الحقائق التي ترفض مواجهتها. وعندما أشرقت شمس الصباح التالي وانجلت العاصفة، كانت الطاولة فارغة، وكان هناك مقعد إضافي يتحرك ببطء أمام المدفأة المنطفئة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

18

متابعهم

5

متابعهم

5

مقالات مشابة
-