في هذا المقال
آخر مكالمة من المقبرة

كان مروان يعمل حارسًا للمقابر منذ خمس سنوات.
لم يكن يخاف الموتى.
في الحقيقة، كان يفضل العمل ليلًا، لأن المقبرة تكون هادئة تمامًا بعد منتصف الليل. لا سيارات، لا أصوات ناس، ولا أحد يزعجه.
كان لديه غرفة صغيرة بجوار البوابة الرئيسية، تحتوي على سرير ومروحة قديمة وغلاية شاي وهاتف أرضي لا يستخدمه أحد تقريبًا.
في تلك الليلة، كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا.
الجو بارد، والضباب يغطي أجزاء من المقبرة.
جلس مروان على الكرسي أمام البوابة، يحتسي الشاي ويتصفح هاتفه.
وفجأة...
رن الهاتف الأرضي.
تررررن... تررررن...
نظر إليه مروان باستغراب.
لم يكن الهاتف يرن منذ شهور.
تركه يرن.
لكنه استمر.
رفع السماعة وقال:
"ألو؟"
لم يسمع شيئًا.
ثم جاء صوت رجل ضعيف:
"لو سمحت... تعالى عند القبر رقم 47."
سكت مروان.
"مين؟"
رد الرجل:
"أنا صاحب القبر."
ضحك مروان معتقدًا أن أحد أصدقائه يمزح معه.
قال:
"يا عم بطل هزار."
لكن الصوت أصبح أكثر جدية:
"أنا مش بهزر."
نظر مروان إلى الساعة.
2:17 صباحًا.
قال:
"إنت مين؟"
أجاب الرجل:
"اسمي سامح عبد الرحمن."
تغير وجه مروان.
كان يعرف الاسم.
سامح عبد الرحمن كان رجلًا دُفن في المقبرة قبل ثلاثة أيام.
مروان بنفسه كان موجودًا أثناء الدفن.
قال بصوت مرتجف:
"إنت... سامح؟"
"أيوه."
ثم أضاف:
"تعالى بسرعة."
أغلق مروان الهاتف.
ظل واقفًا مكانه للحظات.
ثم حاول إقناع نفسه أن شخصًا ما يعبث معه.
ربما أحد العمال.
ربما أحد أبناء المتوفى.
أخذ الكشاف واتجه نحو القبر رقم 47.
كلما اقترب، شعر أن الجو أصبح أبرد.
وصل إلى القبر.
كان كل شيء طبيعيًا.
التراب فوق القبر.
الزهور اليابسة.
لوحة صغيرة تحمل اسم الرجل.
لم يكن هناك أحد.
ضحك مروان وقال:
"كنت عارف إنها مقلب."
ثم استدار ليعود.
لكن الهاتف الأرضي رن مرة أخرى.
من داخل غرفة الحراسة.
توقف مروان.
كان يستطيع سماع الرنين من بعيد.
عاد مسرعًا.
رفع السماعة.
جاءه نفس الصوت:
"إنت وصلت؟"
لم يجب مروان.
قال الرجل:
"أنا شايفك."
نظر مروان حوله.
لم ير أحدًا.
قال:
"إنت فين؟"
رد الصوت:
"تحتك."
سقطت السماعة من يد مروان.
نظر إلى الأرض.
ثم بدأ يتراجع ببطء.
وفجأة سمع صوتًا خلفه.
حَك... حَك... حَك...
كأن أحدهم يخدش شيئًا معدنيًا.
استدار.
كان الصوت يأتي من جهة القبر رقم 47.
اقترب مروان رغم خوفه.
وضع أذنه بالقرب من التراب.
في البداية لم يسمع شيئًا.
ثم...
دق.
تجمد.
دق.
ثم دقة ثالثة.
كانت الدقات تأتي من أسفل القبر.
بدأ مروان يركض.
لكنه سمع صوت الرجل مرة أخرى من الهاتف:
"متسبنيش هنا."
وصل مروان إلى البوابة.
فتحها.
وقبل أن يخرج، رن الهاتف للمرة الثالثة.
هذه المرة لم يرد.
لكن الهاتف استمر في الرنين.
رن مرة...
مرتين...
ثلاثًا...
ثم سمع صوتًا من خلفه:
"لو خرجت... أنا هخرج معاك."
توقف مروان.
لم يلتفت.
ظل واقفًا والعرق البارد يغطي وجهه.
ثم جاء صوت خطوات من داخل المقبرة.
بطيئة.
ثقيلة.
تقترب منه.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم أخرى...
أغلق مروان البوابة وركض إلى غرفة الحراسة.
جلس وأغلق الباب بالمفتاح.
بعد دقائق، هدأت الأصوات.
لم يعد يسمع شيئًا.
ظل جالسًا حتى طلوع الشمس.
وعندما جاء الحارس الآخر ليبدل نوبته، وجده شاحب الوجه.
سأله:
"مالك؟"
حكى له مروان كل شيء.
ضحك الرجل وقال:
"إنت أكيد كنت بتحلم."
لكن مروان أشار إلى الهاتف.
"طب بص على سجل المكالمات."
فتح الرجل السجل.
كانت هناك ثلاث مكالمات بالفعل.
والرقم الذي اتصل...
كان مسجلًا باسم:
سامح عبد الرحمن.
استغرب الرجل.
ثم سأل:
"سامح مات إمتى؟"
"من ثلاثة أيام."
سكت الرجل.
ثم قال:
"مستحيل."
"ليه؟"
أشار إلى الهاتف.
"الرقم ده اتلغى من شركة الاتصالات من أكتر من سنة."
نظر مروان إليه دون أن يفهم.
ثم سمعا صوتًا يأتي من الخارج.
دق... دق... دق.
ذهبا إلى البوابة.
لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض أمام الغرفة، كان هناك هاتف محمول قديم مغطى بالتراب.
تعرف مروان عليه فورًا.
كان الهاتف الذي دُفن مع سامح.
اقترب منه ببطء.
وفجأة...
أضاءت الشاشة.
ظهرت مكالمة واردة.
الاسم:
مروان.
كان الهاتف يتصل به.
نظر مروان إلى الرجل بجانبه.
ثم إلى الهاتف.
وببطء شديد...
رفع السماعة.
لم يسمع صوت سامح هذه المرة.
سمع صوته هو.
لكن صوته كان مذعورًا ويصرخ:
"إوعى تفتح القبر رقم 47!"
ثم انقطعت المكالمة.
نظر مروان إلى القبر من بعيد.
وبدأت الأرض فوقه تتحرك.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الغرفة.
ذهب مروان ليرد.
لكن قبل أن يرفع السماعة، سمع صوتًا يخرج منها:
"اتأخرت يا مروان... أنا خرجت."
رفع عينيه نحو الباب.
كان مفتوحًا.
وخارج الغرفة...
كانت آثار أقدام مبللة بالطين.
تبدأ من القبر رقم 47...
وتنتهي أمام سريره.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يرى مروان.
لكن الغريب أن هاتف المقبرة ما زال يرن كل ليلة عند الساعة 2:17.
وعندما يرد الحارس الجديد...
يسمع صوت مروان من الطرف الآخر:
"لو سمحت... تعالى عند القبر رقم 47."
ثم يسكت لحظة ويقول:
"بس أوعى تفتح الباب."
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق