فصل ثالث من (عروس بالصدفه)

فصل ثالث من (عروس بالصدفه)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الفصل الثالث

وعودٌ خلف القضبان

دلف جاسر إلى جناحه مع خيوط الفجر الأولى، كانت رائحة التبغ والارهاق تفوح منه. خلع سترته ورماها بإهمال، ثم اقتربت خطواته من السرير حيث ترقد "ملك" في نومٍ عميق. تطلع إلى وجهها الشاحب؛ كانت تبدو طفلة بريئة غارقة في عالم الأحلام، مما أثار في نفسه ضيقاً غامضاً.. كيف انتهى به الأمر زوجاً لهذه الصغيرة؟

هوى بجسده على الجانب الآخر من السرير، محاولاً انتزاع لحظات من الراحة، لكن النوم جفاه. ظل يراقب سقف الغرفة حتى تسلل ضوء الصباح، حينها بدأت ملك تتحرك بعفوية، وتمطت بيديها لتصطدم إحداهما بصدره العريض. انتفضت ملك وكأن صعقة كهربائية أصابتها، واتسعت عيناها بذعر قبل أن تلتقط نظارتها الطبية وتضعها بسرعة كدرعٍ يحميها من نظراته.

رمقها جاسر بتهكم وهو ينهض متجهاً للشرفة، وحين عاد وجدها ترتب الفراش بارتباك. تأمل مظهرها بامتئاض؛ بيجامة قطنية برسوم كارتونية، وجسد نحيل للغاية، وشعر مرفوع بعشوائية.

قال بنبرة جليدية:

“غيري هدومك عشان هننزل نفطر تحت.”

خرج جاسر من الحمام بعد دقائق ليصدم بمظهرها "الرسمي"؛ كانت ترتدي بنطالاً واسعاً وقميصاً طويلاً يفتقر لأي لمسة أنثوية، وحذاءً رياضياً مسطحاً. زفر بضيق وهو يضع عطره الفاخر، بينما همست هي بتردد:

“ممكن أطلب منك طلب؟”

رد بحدة: “لا.”

اعترضت بضيق: “ليه؟ أنا من حقي أقول طلبي!”

التفت إليها قائلاً بحسم قاطع: “إنتِ زيك زي الكنبة هنا.. ملكيش رأي ولا أهمية.”image about فصل ثالث من (عروس بالصدفه)

اشتعلت عيناها غيظاً وقالت بتحدٍ: “بتعاملني كده وإنا اللي أنقذتك من الفضيحة؟ لولا وجودي كان زمان الكل بيتكلم عن العريس اللي عروسته هربت وسابته!”

في لحظة، قبض جاسر على خصلات شعرها بقسوة، وهتف بغضب مكتوم: “ومين سبب الفضيحة دي؟ مش أختك المصون؟”

تأوهت ألما وهي تجيب: “والله كان عندها حق تسيبك وتطفش!”

شدد من قبضته وقال بتهديد: “أنا عمري ما مديت إيدي على ست، بس شكلك هتخليني أعملها.”

حررها فجأة فارتدت للخلف تفرك فروة رأسها بحسرة: “بوظت شعري!”

سخر منها قائلاً: “محسساني إنه شعر شريهان.. ده كله خصلتين.”

ثم فاجأته بدموعها وهي تترجاه بصدق: “أرجوك خليني أروح أشوف إخواتي.. هما مبيعرفوش يعملوا حاجة من غيري.”

رن هاتف جاسر، وكان المتصل "حامد". بعد مكالمة مقتضبة، سمح لملك بالتحدث مع عائلتها. استمع جاسر باستغراب لتبدل نبرة صوتها وهي تهدهد إخوتها الصغار "علي ومنى"، كانت دموعها ولهفتها صادقة لدرجة مست أوتار قلبه الجامد. حين أغلقت الهاتف وهي تشهق بمرارة، رق قلبه قليلاً وقال بلين:

“خلاص اهدي.. هبقى آخدك ليهم بعد الفطار.”

تعلق كفها بيده بلهفة طفولية: “بجد؟”

أومأ برأسه بصمت، شاعراً بمسؤولية غريبة تجاه هذه الكائنة الرقيقة.

على مائدة الإفطار، كان التوتر سيد الموقف. جلست "سيلين" ترمق ملك بنظرات حاقدة ساخرة من مظهرها، بينما كانت "جلنار" تراقب ببرود.

قالت سيلين بخبث: “صحيح يا جاسر.. مش هتروحوا شهر عسل؟”

رد جاسر بجمود: “معنديش وقت للكلام الفاضي ده.”

حين حاولت سيلين التمادي، قاطعتها جلنار بحدة لتنهي النقاش. استأذن جاسر للذهاب لمكتبه، بينما ركضت ملك لغرفتها تجهز نفسها للقاء إخوتها.

في هذه الأثناء، وصل "خالد" إلى مكتب عمه حامد والشرر يتطاير من عينيه.

“الكلام اللي سمعته صحيح؟ ملك اتجوزت جاسر؟!”

حاول حامد تبرير الموقف بضعف: “كان لازم واحدة تحل محل ريم.. بس هيطلقها كمان كام شهر.”

خرج خالد من المكتب والغيرة تنهش قلبه، اتصل بملك فوراً.

"خالد.. إنت كويس؟" سألت بهمس باكي.

أجابها بصوت محطم: “هكون كويس إزاي وإنتِ اتجوزتي غيري؟”

ثم سألها بسؤال طعن قلبها: “لمسك يا ملك؟ حصل حاجة بينكم؟”

أجابته بخجل وألم: “ملمسنيش.. اطمن.”

هتف خالد بجدية محذرة: “أوعديني إنه مش هيلمسك، وإنتِ أول ما تتطلقي هتكوني ليا.. مش هستنى للتخرج.”

قالت ملك بحيرة ناضجة: “أوعدك يا خالد.. بس أرجوك متكلمنيش تاني طول ما أنا على ذمة راجل تاني، دي خيانة وحرام.. لازم نبعد لحد ما أطلق.”

أغلق خالد الهاتف وهو يشعر بنار تحرق صدره، بينما تنهدت ملك بقوة وهي ترجو الله أن ترحل هذه الأيام بسلام.

يتبع…

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Bfn تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.