أشباح خلف الظلام
أشباح الظلام

كانت قرية الصفصاف مختلفة عن أي مكان آخر.
لم يكن أهلها يخافون الليل، لكنهم كانوا يخافون شيئًا واحدًا فقط: الثلاث دقائق التي يختفي فيها كل شيء.
في تمام الثانية بعد منتصف الليل، كانت جميع المصابيح تنطفئ في اللحظة نفسها.
تتوقف الساعات.
تنقطع الهواتف.
حتى أصوات الحيوانات تختفي.
ثلاث دقائق فقط.
ثم يعود كل شيء كما كان.
كان كبار السن يطلقون على تلك اللحظات اسم "وقت الظلام"، وكانوا يحذرون الأطفال من النظر إلى الشوارع خلالها.
لكن سامر، الشاب الذي عاد إلى القرية بعد سنوات طويلة، لم يكن يؤمن بهذه الخرافات.
في إحدى الليالي، قرر أن يبقى مستيقظًا ليرى ما يحدث.
جلس قرب النافذة، والساعة أمامه.
1:59:57
ثلاث ثوانٍ.
ثم…
انطفأ كل شيء.
لم يعد هناك ضوء.
ولا صوت.
ولا حتى حركة للهواء.
نظر سامر من النافذة.
في البداية لم ير شيئًا.
ثم ظهرت نقطة بيضاء في نهاية الشارع.
كانت تتحرك ببطء.
اقتربت.
ثم ظهرت نقطة ثانية.
وثالثة.
وبعد ثوانٍ، أصبح الشارع مليئًا بأشخاص يقفون في صمت.
لم تكن وجوههم واضحة.
كانوا مجرد ظلال شاحبة، تتحرك دون أن تصدر أي صوت.
شعر سامر بالخوف، لكنه لم يستطع إبعاد عينيه عنهم.
وفجأة، رفع أحدهم رأسه.
نظر مباشرة إلى نافذته.
ثم رفع يده.
وأشار إليه.
تراجع سامر بسرعة.
وفي اللحظة نفسها، عادت الكهرباء.
اختفت الظلال.
نظر إلى الساعة.
كانت الثانية ودقيقتين.
ظن أن ما حدث مجرد وهم.
لكن في صباح اليوم التالي، وجد شيئًا غريبًا على زجاج نافذته.
كانت هناك بصمة يد سوداء.
لمسها.
فشعر ببرودة شديدة.
وفي الليلة التالية، قرر ألا ينظر من النافذة.
أغلق الستائر وجلس في غرفته.
لكن عندما اقتربت الساعة من الثانية، سمع صوتًا خلفه.
همس ضعيف:
“سامر...”
لم يتحرك.
عاد الصوت:
“سامر... إحنا شايفينك.”
أغمض عينيه.
ثم بدأ يسمع خطوات حول الغرفة.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم توقف الصوت بجواره مباشرة.
فتح عينيه.
لم يكن هناك أحد.
لكن المرآة أمامه كانت مختلفة.
ظهر فيها عشرات الأشخاص الواقفين خلفه.
استدار بسرعة.
الغرفة فارغة.
عاد ينظر إلى المرآة.
كانوا ما زالوا هناك.
لكن هذه المرة كانوا يقتربون.
رفع سامر يده.
فعل أحدهم الشيء نفسه.
تراجع.
ففعلوا مثله.
ثم ظهر شخص في وسطهم.
كان يشبه سامر تمامًا.
لكن وجهه كان شاحبًا وعيناه مظلمتين.
ابتسم وقال:
“أخيرًا... رجعت.”
صرخ سامر وغطى المرآة بقطعة قماش.
وعندما أزاحها بعد دقائق، لم يجد شيئًا.
في اليوم التالي، ذهب إلى رجل عجوز كان يعيش في آخر القرية.
حكى له كل شيء.
ظل الرجل صامتًا، ثم قال:
“أبوك كان يشوفهم.”
تغير وجه سامر.
“أبويا؟”
أومأ الرجل.
“قبل ما يموت بأيام، قال إن الأشباح مش بتظهر للناس عشوائيًا.”
سأل سامر:
“بتظهر لمين؟”
نظر الرجل إلى عينيه وقال:
“للناس اللي مات واحد من عيلتهم من غير ما يودعوه.”
ساد الصمت.
تذكر سامر فجأة أخته الصغيرة التي ماتت عندما كان طفلًا.
لم يستطع تذكر وجهها بوضوح.
وفي تلك الليلة، عاد "وقت الظلام".
لكن هذه المرة لم تظهر الأشباح في الشارع.
ظهرت داخل غرفته.
كانت تقف حول سريره.
وفي وسطهم وقفت طفلة صغيرة.
كانت تنظر إليه.
ثم قالت:
“سامر... إنت نسيتني.”
بدأت ملامح وجهها تظهر بوضوح.
كانت أخته.
اقتربت منه.
لكنها لم تكن غاضبة.
قالت:
“إحنا مش جايين ناخدك.”
تنفس سامر بصعوبة.
“أمال جايين ليه؟”
أشارت خلفه.
استدار.
فرأى الظلال كلها واقفة عند النافذة.
قالت أخته:
“إحنا جايين نحذرك.”
ثم انطفأت آخر نقطة ضوء في الغرفة.
وفي الظلام، سمع سامر صوتًا لا يشبه أصوات الأشباح:
“الثلاث دقائق انتهت... لكن الليلة، واحد منكم هيبقى معانا.”
عادت الأنوار.
اختفت أخته.
واختفت الأشباح.
لكن سامر لاحظ شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.
كان هناك أربعة أشخاص يقفون في الغرفة.
هو…
وأخته…
وشخصان آخران لم يعرفهما.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد سامر يرى الأشباح في وقت الظلام.
لأن الناس في القرية بدأوا يرونه هو واقفًا بينهم.
كل ليلة.
في تمام الثانية بعد منتصف الليل.
صامتًا…
ينتظر شخصًا جديدًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح أهل الصفصاف يغلقون نوافذهم قبل الساعة الثانية.
لأنهم يعرفون أن الظلام لا يأتي وحده.
أحيانًا... يأتي ومعه من كان ينتظر في الجهة الأخرى.