عيون تحدق من النافذة
عيون تحدق من النافذة

لم يكن سليم يخاف من الظلام.
كان يعيش بمفرده في شقة صغيرة بالطابق الخامس، وكان أكثر ما يحبه فيها هو النافذة الكبيرة التي تطل على المدينة.
لكن منذ الليلة الأولى، لاحظ شيئًا غريبًا.
في تمام الساعة الثالثة فجرًا، بينما كان يستعد للنوم، لمح انعكاسًا على زجاج النافذة.
توقف.
نظر إلى الزجاج مرة أخرى.
كانت هناك عينان تحدقان فيه.
تجمد في مكانه.
اقترب ببطء من النافذة.
اختفت العينان.
فتح الستارة.
لم يكن هناك أحد.
الطابق الخامس.
لا شرفة.
ولا سطح قريب.
فقط جدار المبنى والشارع البعيد في الأسفل.
أغلق الستارة وقال لنفسه إن التعب خدعه.
لكن في الليلة التالية، ظهرت العينان مرة أخرى.
هذه المرة كانتا أقرب.
اقترب سليم من النافذة، ورفع يده نحو الزجاج.
توقفت العينان.
ثم رمشتا.
تراجع سليم بسرعة.
في الصباح، أخبر حارس العقار بما حدث.
ضحك الرجل وقال:
“النافذة دي قديمة، يمكن انعكاس نور الشارع.”
لكن سليم لم يقتنع.
وفي الليلة الثالثة، قرر ألا ينظر إلى النافذة مهما حدث.
أطفأ الأنوار واستلقى على سريره.
الثالثة تمامًا.
طرق خفيف على الزجاج.
طرق…
ثم طرق آخر.
فتح سليم عينيه، لكنه لم يتحرك.
جاء صوت هامس:
“سليم...”
غطى رأسه بالبطانية.
عاد الصوت:
“أنا شايفك.”
بدأت أنفاسه تتسارع.
ثم سمع صوت الستارة وهي تتحرك.
فتح عينيه.
كانت النافذة أمامه.
والعينان خلف الزجاج.
لكن هذه المرة لم تكونا وحدهما.
كان هناك وجه كامل خلفهما.
وجه شاحب يلتصق بالنافذة من الخارج.
صرخ سليم وأشعل المصباح.
اختفى الوجه.
ركض إلى النافذة وأغلقها بالمفتاح.
ثم لاحظ شيئًا على الزجاج.
كانت هناك كتابة بأصابع مبللة:
“متبصش وراك.”
تجمد سليم.
ظل واقفًا أمام النافذة.
لم يجرؤ على الالتفات.
ثم شعر بأنفاس باردة خلف رقبته.
جاء صوت هامس:
“هم مش في النافذة.”
أغمض عينيه.
“هم وراك.”
استدار.
لم يكن هناك أحد.
عاد ينظر إلى النافذة.
فتوقف قلبه تقريبًا.
لم يعد يرى الشارع.
كانت النافذة تطل على غرفة مظلمة.
غرفة تشبه غرفته تمامًا.
وفي داخلها كان هناك شخص يجلس على سريره.
اقترب سليم من الزجاج.
الشخص رفع رأسه.
كان سليم نفسه.
لكن نسخة أخرى منه.
نسخة شاحبة تحدق فيه.
ثم وقفت ببطء واقتربت من النافذة المقابلة.
رفع سليم يده.
فرفعت النسخة يدها.
تراجع.
فتراجعت.
ثم ابتسمت النسخة.
لكن سليم لم يبتسم.
وضعت النسخة إصبعها على شفتيها، وكأنها تطلب منه الصمت.
ثم أشارت إلى الساعة.
كانت الثالثة وسبع دقائق.
وفجأة، ظهرت خلف النسخة عشرات العيون.
كلها تحدق في سليم.
تراجع حتى اصطدم بالحائط.
بدأت النافذة تهتز.
ثم جاء صوت طرق قوي.
طرق! طرق! طرق!
أغلق سليم عينيه.
وعندما فتحهما، كان كل شيء طبيعيًا.
الشارع في الخارج.
المباني.
الأنوار.
لا غرفة أخرى.
ولا عيون.
في الصباح، قرر سليم الرحيل عن الشقة.
جمع أغراضه بسرعة، وقبل أن يغادر، ألقى نظرة أخيرة على النافذة.
كانت هناك عينان تحدقان فيه.
لكن هذه المرة لم تكونا خلف الزجاج.
كانتا منعكستين في عينيه هو.
توقف سليم.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يخاف من النظر إلى النوافذ.
لأنه لم يعد يرى ما وراءها.
بل أصبح يخاف من شيء آخر…
أن يرى نفسه فيها.
أما سكان العقار، فيقولون إن الشقة ظلت خالية لسنوات.
لكن كل ليلة، عند الثالثة فجرًا، تظهر عينان خلف النافذة.
والأغرب…
أن من ينظر إليهما طويلًا، يجد في صباح اليوم التالي نافذته تطل على غرفة لا يعرفها.
وفي تلك الغرفة…
يجلس شخص يشبهه تمامًا.
وينتظر أن ينظر إليه.