بوابة الأرواح المفقودة
بوابة الأرواح المفقودة

كانت هناك منطقة مهجورة في أطراف القرية، لا يقترب منها أحد بعد غروب الشمس.
لم يكن السبب وجود منزل مسكون أو مقبرة قديمة، بل شيء أغرب.
بوابة حجرية سوداء.
لم تكن البوابة متصلة بجدار، ولا تؤدي إلى طريق.
كانت قائمة وحدها بين الأشجار، مغطاة بنقوش غريبة، وعلى جانبيها تماثيل حجرية بلا وجوه.
وكان أهل القرية يقولون إن البوابة تظهر مرة كل عشر سنوات.
وفي كل مرة تظهر، يختفي شخص.
كان ياسين يسمع هذه الحكاية منذ طفولته، لكنه لم يصدقها يومًا.
حتى جاء العام الذي ظهرت فيه البوابة من جديد.
في صباح أحد الأيام، انتشر الخبر في القرية.
ذهب ياسين مع مجموعة من الشباب لمشاهدتها.
كانت البوابة موجودة فعلًا.
اقترب ياسين منها، ولاحظ أسماء محفورة على الحجارة.
أسماء كثيرة.
بعضها قديم، وبعضها حديث.
ثم رأى اسمًا جعله يتجمد في مكانه.
“مريم.”
كان اسم أخته التي اختفت قبل عشر سنوات.
لم يجدوا لها أثرًا وقتها.
قال الجميع إنها ضاعت في الغابة.
لكن ياسين لم يصدق ذلك قط.
اقترب من البوابة ولمس الاسم.
فجأة سمع صوتًا خافتًا من خلفها:
“ياسين...”
تراجع مذعورًا.
كان الصوت يشبه صوت أخته.
عاد إلى القرية وأخبر جدته.
عندما سمعت الاسم، أغمضت عينيها وقالت:
“البوابة ظهرت.”
سألها:
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
قالت:
“كل عشر سنين بتفتح، وكل مرة بتاخد روح.”
“ومريم؟”
صمتت الجدة.
ثم قالت:
“مريم ما اختفتش.”
نظر إليها ياسين بصدمة.
“أمال راحت فين؟”
أجابته:
“دخلت البوابة.”
في تلك الليلة، لم يستطع ياسين النوم.
كان يفكر في أخته.
وفي منتصف الليل، خرج من المنزل واتجه إلى البوابة.
كانت واقفة وسط الضباب.
لكن هذه المرة كانت مفتوحة.
خلفها لم يكن هناك طريق.
كان هناك عالم مظلم، مليء بالضباب، وفي البعيد ظهرت عشرات الأضواء الصغيرة.
ثم سمع أصواتًا.
أصوات أشخاص ينادون أسماءهم.
اقترب ياسين.
ظهرت فتاة من بين الضباب.
كانت مريم.
لم تتغير ملامحها.
بدت كما كانت يوم اختفائها.
قال ياسين:
“مريم!”
ابتسمت، لكنها لم تقترب.
قالت:
“إنت لازم تمشي.”
سألها:
“ليه؟”
قالت:
“لأن البوابة مش بتفتح علشان تدخل.”
توقفت لحظة.
“بتفتح علشان تخرج الأرواح.”
نظر ياسين خلفها.
بدأت الأضواء تتحرك.
عشرات الأرواح ظهرت في الضباب.
بعضها أطفال، وبعضها كبار في السن.
كلهم كانوا ينظرون إليه.
ثم قالت مريم:
“لكن في كل مرة البوابة تفتح، لازم روح جديدة تفضل هنا.”
فهم ياسين.
“يعني حد لازم يضحي؟”
هزت رأسها.
“مش بالضرورة.”
ظهر ظل ضخم خلف الأرواح.
قالت مريم بسرعة:
“اهرب!”
بدأت البوابة تهتز.
وانطلقت الأصوات من كل مكان.
ركض ياسين نحو الخارج.
لكن قبل أن يصل، أمسك الظل بيده.
شعر ياسين ببرودة شديدة.
سمع مريم تصرخ:
“سيبه!”
ثم ظهر ضوء قوي.
وانغلق الباب.
استيقظ ياسين صباحًا أمام البوابة.
كانت مغلقة.
والأغرب أن اسم مريم اختفى من الحجر.
لكن ظهر اسم جديد مكانه.
ياسين.
عاد إلى القرية.
لم يخبر أحدًا بما حدث.
ومرت الأيام.
ثم بدأت القرية تنسى مريم.
الجميع.
حتى جدته لم تعد تتذكر اسمها.
أما ياسين، فكان الوحيد الذي يتذكرها.
وفي إحدى الليالي، سمع صوتًا من خارج نافذته:
“ياسين...”
فتح الستارة.
لم يرَ أحدًا.
لكن على زجاج النافذة ظهرت كلمات كُتبت من الجهة الأخرى:
“البوابة ستفتح مرة أخرى... لكن هذه المرة لن أنتظر وحدي.”
ومنذ ذلك اليوم، بدأ ياسين يرى ظل مريم في كل مكان.
في المرآة.
خلف النوافذ.
وفي نهاية الشوارع.
حتى أدرك الحقيقة المرعبة:
البوابة لم تكن مكانًا تسكن فيه الأرواح المفقودة…
بل كانت طريقًا إلى عالم يبحث عن أرواح جديدة.