الساكن في الحائط
الساكن في الحائط

لم يكن ياسر يؤمن بالأشباح، ولم يكن من النوع الذي يخاف من الأماكن القديمة أو الحكايات التي يتناقلها الناس.
لذلك، عندما عرض عليه صاحب العقار شقة واسعة بسعر أقل بكثير من المعتاد، لم يتردد.
كانت العمارة قديمة، لكنها تقع في منطقة هادئة وقريبة من عمله. الشقة نفسها كانت واسعة ونظيفة، باستثناء غرفة النوم التي بدت أبرد من باقي المنزل بشكل غريب.
سأل ياسر صاحب العقار:
“الشقة دي كانت مقفولة ليه؟”
تردد الرجل للحظة، ثم ابتسم.
“محدش قعد فيها فترة طويلة.”
لم يعطِ ياسر للأمر أهمية.
في الليلة الأولى، نام بسرعة.
لكن عند الساعة الثالثة صباحًا، استيقظ على صوت خافت.
طرق... طرق... طرق.
فتح عينيه.
ظل ينظر إلى السقف للحظات، ثم سمع الصوت مرة أخرى.
طرق... طرق... طرق.
هذه المرة كان واضحًا.
الصوت يأتي من الجدار المقابل لسريره.
جلس ياسر على السرير وأشعل المصباح.
لم يجد شيئًا.
اقترب من الجدار ووضع أذنه عليه.
في البداية لم يسمع شيئًا.
ثم جاء صوت خافت للغاية:
“افتح...”
ابتعد ياسر بسرعة.
ظل واقفًا في منتصف الغرفة، يحاول إقناع نفسه بأنه تخيل الصوت.
في الصباح، بدأ يومه بشكل طبيعي.
لكن في الليلة الثانية تكرر الأمر.
وفي الثالثة أيضًا.
والأغرب أن الطرقات بدأت تتغير.
في البداية كانت ثلاث طرقات.
ثم أصبحت خمسًا.
ثم طرقات متواصلة كأن شخصًا محبوسًا خلف الجدار يحاول الخروج.
قرر ياسر أن يفحص الحائط.
أحضر مطرقة صغيرة وطرق على الجدار في أماكن مختلفة.
عندما وصل إلى الجزء الموجود خلف السرير، تغير الصوت.
طَق.
كان الجدار أجوف.
أزال ياسر جزءًا من الطلاء، فوجد طبقة قديمة من الجبس.
وبعد دقائق من العمل، ظهرت حافة باب صغير مخفي داخل الجدار.
توقف قلبه للحظة.
لم يكن هناك أي باب في مخطط الشقة.
بحث عن مقبض، فوجده مغطى بالصدأ.
فتح الباب ببطء.
ظهرت غرفة ضيقة مظلمة خلف الحائط.
دخل ياسر وهو يمسك هاتفه كمصباح.
كانت الغرفة مليئة بالغبار.
على الجدران ظهرت خطوط كثيرة، وكأن أحدًا ظل يحفر بأظافره لسنوات.
اقترب ياسر من أحد الجدران.
كانت هناك أسماء.
أحمد.
سعيد.
محمود.
حسن.
عشرات الأسماء.
وبجانب بعضها تواريخ قديمة.
أخرج ياسر هاتفه وبدأ يصور.
ثم توقف فجأة.
في أسفل الجدار، وجد اسمًا مكتوبًا حديثًا.
ياسر.
تراجع خطوة.
“مستحيل...”
وفي اللحظة نفسها، أغلق الباب خلفه.
حاول فتحه.
لم يتحرك.
ثم سمع صوتًا من آخر الغرفة:
“أخيرًا دخلت.”
تجمد ياسر.
سلط ضوء الهاتف في اتجاه الصوت.
لم يرَ أحدًا.
قال:
“مين هنا؟”
جاء الرد:
“أنا الساكن.”
“ساكن فين؟”
ضحك الصوت بهدوء.
“في الحائط.”
بدأت أنفاس ياسر تتسارع.
قال الصوت:
“كل واحد عاش في الشقة دي سمعني.”
سأل ياسر:
“والأسماء دي؟”
أجاب الصوت:
“دي أسماء اللي حاولوا يعرفوا أنا مين.”
فجأة بدأ أحد الأسماء يتحرك.
تغيرت الحروف أمام عينيه.
ثم اختفى اسم حسن وظهر مكانه:
اختفى.
ثم اختفى اسم آخر.
اختفى.
تراجع ياسر حتى اصطدم بالجدار.
قال الصوت:
“كانوا بيدخلوا الغرفة... ومحدش كان بيخرج.”
بدأ ياسر يضرب الباب بكل قوته.
“افتح!”
جاء الصوت من خلفه مباشرة:
“إنت فتحت بنفسك.”
استدار.
كان هناك ظل طويل على الحائط.
لم يكن له جسد.
مجرد ظل أسود يتحرك ببطء.
اقترب الظل من ياسر.
ثم ظهرت يد على سطح الجدار.
كانت الأصابع تتحرك وكأنها تبحث عن شيء.
تراجع ياسر.
فجأة اشتغل هاتفه من تلقاء نفسه.
ظهرت صورة التقطها قبل دقائق.
كانت صورة للأسماء الموجودة على الحائط.
لكن في الصورة ظهر شيء لم يره وقتها.
كان هناك شخص يقف خلفه.
وجهه غير واضح.
وفي يده ورقة مكتوب عليها:
“أنت التالي.”
سقط الهاتف من يد ياسر.
بدأت الطرقات في كل مكان.
الجدران.
السقف.
الأرض.
حتى الباب أصبح يهتز.
ثم جاء صوت عشرات الأشخاص في وقت واحد:
“افتح لنا...”
لم يعرف ياسر ماذا يفعل.
وفجأة تذكر أنه ترك نافذة الغرفة الرئيسية مفتوحة.
كان الباب أمامه مغلقًا، لكن الجدار الذي يقف بجواره بدا أضعف.
أمسك قطعة حديد كانت على الأرض وبدأ يضرب الجدار.
ضربة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
تشقق الجدار.
ومن خلفه ظهر ضوء خافت.
ضرب مرة أخرى بكل قوته.
انهار جزء من الحائط.
وجد نفسه داخل غرفة النوم.
خرج بسرعة.
أغلق الباب السري خلفه، ثم دفع الخزانة أمامه.
لم ينم تلك الليلة.
وفي الصباح، اتصل بصاحب العقار وطلب منه الحضور فورًا.
جاء الرجل بعد ساعة.
فتح ياسر الجدار أمامه.
لكن المفاجأة كانت أن الغرفة اختفت.
لم يكن هناك باب.
ولا أسماء.
ولا أي أثر للفراغ الموجود خلف الحائط.
حدق صاحب العقار في الجدار طويلًا.
ثم قال:
“إنت فتحت الحائط؟”
أجابه ياسر:
“أيوه.”
سأل الرجل:
“وسمعت صوت؟”
صمت ياسر.
ثم قال:
“أيوه.”
تغير وجه الرجل.
“يبقى رجع.”
سأله ياسر:
“مين؟”
لكن الرجل لم يجب.
خرج من الشقة بسرعة.
في تلك الليلة، قرر ياسر مغادرة المكان.
جمع ملابسه وأغراضه، وقبل أن يخرج، نظر إلى جدار غرفة النوم للمرة الأخيرة.
كان كل شيء طبيعيًا.
ثم سمع:
طرق... طرق... طرق.
توقف.
عاد الصوت.
لكن هذه المرة لم يأتِ من الجدار.
بل من داخل حقيبته.
فتحها بسرعة.
لم يجد شيئًا.
ثم سمع الهمسة:
“متسبنيش هنا.”
تجمد ياسر.
رفع رأسه نحو المرآة.
كان انعكاس الغرفة واضحًا.
لكن خلفه ظهر باب صغير.
باب لم يكن موجودًا في الغرفة الحقيقية.
اقترب من المرآة.
وعندما لمسها، ظهرت عليها كتابة:
“البيت مش مسكون... الحائط هو اللي مسكون.”
هرب ياسر من الشقة ولم يعد إليها.
بعد أسبوع، علم أن صاحب العقار اختفى.
وبعد شهر، أصبحت الشقة مغلقة تمامًا.
لكن سكان العمارة بدأوا يسمعون طرقات في الليل.
ثلاث طرقات.
ثم خمس.
ثم همسة طويلة:
“افتح...”
ويقال إن الشقة ما زالت معروضة للإيجار.
لكن لا أحد يعرف لماذا يرفض كل من يدخلها البقاء أكثر من ليلة واحدة.
والأغرب أن آخر شخص دخل الشقة ترك رسالة قصيرة على الباب:
“لو سمعت طرقًا من الحائط... لا ترد.”
لأن الساكن في الحائط لا يريد أن يخرج.
إنه يريد فقط أن يجد ساكنًا جديدًا.