​ممر الأرواح الضائعة. ​همسات القبو. ​اللقاء الأخير في "مصحة الوادي". ​فخ الكرسي المتحرك. ​عندما يستيقظ الظلام. ​مصيدة المصحة المهجورة.

​ممر الأرواح الضائعة. ​همسات القبو. ​اللقاء الأخير في "مصحة الوادي". ​فخ الكرسي المتحرك. ​عندما يستيقظ الظلام. ​مصيدة المصحة المهجورة.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ظلال المصحة المنسية

 

يعود "طارق"، الموثق والباحث في الأماكن المهجورة، لاستكشاف مصحة نفسية قديمة تُدعى "مصحة الوادي" بُغية تصوير حلقة جديدة لقناته. لكنه لم يكن يعلم أن جدران المصحة لا تحتفظ بالذكريات فقط، بل ما زالت تحتفظ بالمرضى الذين لم يغادروها أبداً... حيين كانوا أم ميتين.

لم تكن الرياح المحملة برائحة الرطوبة والعفن سوى البداية للظلام الذي ينتظره. أوقف "طارق" سيارته عند حافة الغابة الكثيفة التي تبتلع "مصحة الوادي النفسية"، تلك البناية الضخمة التي أُغلقت في ثمانينيات القرن الماضي بعد سلسلة من الحوادث الغامضة والوفيات المفاجئة للمرضى والأطباء على حد سواء. شغّل كاميرته الصغيرة، وعدّل إضاءة الكشاف القوي المقبوض عليه بيده اليسرى، ثم تقدم بخطوات حذرة نحو البوابة الحديدية الصدئة التي كانت تتأرجح ببطء مسببة صفيراً حاداً يثقب الأذان وينشر الرعب في أرجاء المكان.

عبر الباب الرئيسي المفتوح جزئياً، فاستقبلته ظلمات ممتدة ورائحة أوراق جافة ومواد كيميائية قديمة حارقة للأنف. كانت الهمسات الداخليّة تتصاعد في ذهنه محاولة تهدئته: "إنه مجرد مكان عادي مهجور، مجرد حجارة ولطخات طلاء مقشرة لا أكثر". ضغط على زر التسجيل وزفر برداءة محاولاً السيطرة على ارتجاف يديه وتزايد ضربات قلبه المتسارعة.

تجوّل طارق في الممرات الطويلة الضيقة، ووجه كاميرته نحو الأبواب الخشبية المتهالكة التي حملت أرقاماً شاحبة كادت تمحى بفعل الزمن. كان الصمت يخنق المكان بشكل مريب، صمتٌ ثقيل لا تقطعه إلا خطواته الرتيبة على البلاط المكسور وصوت أنفاسه المتصاعدة. وفجأة، وسَط ذلك الهدوء الموحش، سمع صوت رنين معدني خفيف نابعاً من عمق الممر المظلم... كان صوت عجلات كرسي متحرك تدور ببطء شديد على أرضية السيراميك الصلبة.

تجمد طارق في مكانه تماماً، وتسارعت أنفاسه بشكل جنوني. رفع الكشاف باتجاه مصدر الصوت، وفي نهاية الممر العتم، رأى كرسياً متحركاً قديماً يتحرك ببطء نحو الأمام، ليس بفضل دفع الرياح أو انحدار الأرضية، بل وكأن شخصاً خفياً ينتمي للظلال يدفعه بثبات وقوة متزنة لا تخطئها العين.

حاول طارق إقناع نفسه بأنه مجرد وهم بصري ناتج عن الإرهاق والخوف، لكن الكرسي توقف فجأة على بعد أمتار قليلة منه، ودار بزاوية تسعين درجة ليكون مواجهاً له تماماً. في تلك اللحظة الحاسمة، خفتت أضواء الكشاف وبدأت تومض بضعف شديد حتى أوشكت على الانطفاء الكامل.

ساد طنين حاد ومزعج في أذنيه، وتحولت برودة الجو المفاجئة إلى جمدٍ يمس العظام مباشرة. وخلف الكرسي المتحرك الفارغ، بدأت أشكال سوداء داكنة تخرج وتتجسد من بين تشققات الجدران؛ ظلالٌ بشرية مشوهة ذات أطراف طويلة وعيون تتوهج ببياض صارخ ومُرعب. لم تكن تصدر أي صوت للتنفس، بل كانت تتحرك بنشاط وحركة غير طبيعية نحو طارق محاصرة إياه من كل اتجاه وممر.

استبد به الرعب إلى أقصى حد، واستدار فوراً ليركض بكل قوته نحو المخرج الذي دخل منه، لكن الممر بدا وكأنه يمتد ويتسع إلى ما لا نهاية كلما خطا خطوة. كانت الأبواب الخشبية تُغلق وتفتح من تلقاء نفسها بأسلوب هستيري جنوني، وأصوات صراخ مكتوم وعويل تتردد من داخل الغرف المغلقة وتصك أذنيه بقوة.

سقط طارق بقوة على الأرض بعد أن تعثر بأحد الأنابيب الصدئة الملقاة، وسقطت الكاميرا من يده لتستقر على البلاط وهي تبث مشهداً حياً نحو الظلام. أطاف حوله ظلان ضخمان، وانحنى أحدهما فوق وجهه تماماً ليحجب عنه الهواء تماماً. لم يمتلك هذا الكائن المظلم وجهاً بشرياً، بل مجرد تجويف أسود عميق ينبعث منه همس بارد بصوت عشرات الأشخاص المتداخلين: “لقد أطلت الانتظار يا طارق... حان دورك الآن للشفاء الأبدي.”

صرخ طارق بأعلى صوت يملكه في هيستيريا كاملة، وفي تلك اللحظة بالذات، انطفأ نور الكشاف نهائياً وعم الظلام الدامس كل شبر في المصحة.

في الصباح التالي، وجدت الشرطة سيارة طارق مهجورة تماماً عند حافة الغابة. وعندما دخلت الفرقة الأمنية لتفتيش المصحة، لم يجدوا أي أثر لجثته أو وجوده الحي، باستثناء كاميرته المكسورة الملقاة في منتصف الممر الرئيسي. وعندما فحص الخبراء آخر مقطع تم تسجيله في ذاكرة الكاميرا، كانت الشاشة تعرض لقطة ثابتة لكرسي متحرك، وخلفه ينعكس ظل طارق وهو يجلس عليه محاطاً بالظلال، مرتدياً سترة المجانين المشدودة ومبتسماً في صمت مرعب.

image about ​ممر الأرواح الضائعة. ​همسات القبو. ​اللقاء الأخير في
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Amira Mohsen تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-