البيت المهجور على أطراف القرية (الجزء الأول): حكاية الليلة الأخيرة في منزل آل الألفي
كان يتوسط أطراف القرية بيت قديم مبني من الحجارة السوداء الضخمة، يُعرف بين الأهالي باسم "منزل آل الألفي". لم يجرؤ أحد من السكان على الاقتراب منه أو حتى المرور بجواره لسنوات طويلة، بعد الحادثة الغامضة والمأساوية التي أدت إلى اختفاء جيل كامل من قاطنيه في ليلة واحدة دون ترك أي أثر أو دافع معروف. كانت النوافذ الخشبية للمنزل تحطمت تماماً بفعل الرياح والعواصف المتعاقبة، والأشجار الجافة والميتة تحيط به كأنها أصابع متشابكة تمنع أي غريب من الدخول، بينما يسود المكان صمت مريب يثير الذعر والرهبة في نفوس كل من يلمحه عن بُعد.
في إحدى الليالي الخريفية شديدة البرودة
، قرر الشاب "حسام" رفقة صديقه إثبات أن كل ما يُقال عن هذا المنزل مجرد أساطير شعبية وحكايات لا أساس لها من الصحة. حزم الشابان أمتعتهما الخفيفة وحملا مصابيح يد حديثة وقوية، ثم اتجها بجهل وشجاعة نحو الباب الخشبي المتهالك. بمجرد أن وضع حسام يده على المقبض الحديدي الصدئ، فتح الباب تلقائياً وببطء مُصدراً صفيراً حاداً هز أركان الصمت، وتدفقت من الداخل رائحة غبار قديمة ممتزجة برطوبة غريبة كريهة تجعل الأنفاس ثقيلة والمعدة تنقبض.
عند خطوتهما الأولى داخل الصالة الرئيسية المغطاة بطبقات سميكة من التراب، انقطعت أضواء المصابيح فجأة وبشكل كامل رغم أنها كانت مشحونة كلياً. انتاب الشابين شعور مفاجئ بالبرودة القارسة، وكأن درجة الحرارة انخفضت في لحظة واحدة إلى ما دون الصفر. حاول حسام إرجاع الضوء مراراً، وعندما أضاء المصباح لثوانٍ خافتة ومتقطعة، لمحا على الجدار المتهالك ظلاً ضخماً وغير بشري يتحرك بعكس اتجاههما، رغم أنهما كانا الشخصين الوحيدين في المكان. ساد الصمت الكثيف للحظات، ثم بدأت أصوات خطوات ثقيلة ومتقطعة تتصاعد من السلم الخشبي المؤدي إلى الطابق العلوي، كأن هناك كياناً ينزل ببطء شديد متجهاً نحوهما.

تجمّدت الدماء في عروقهما ولم يستطع أي منهما التراجع أو حركة قدميه، وزاد الرعب عندما انغلق الباب الرئيسي خلفهما بقوة وبصوت مدوٍّ دون وجود أي هواء. ظهرت على الأرضية الترابية آثار أقدام حافية تطبع نفسها بنفسها كأن شخصاً غير مرئي يسير، وصوت همس غامض يتردد في أنحاء الغرفة. استجمع حسام ما تبقى من قواه وصرخ في صديقه ليركضا نحو إحدى النوافذ المفتوحة في نهاية الممر. قفزا بكل قوة وسقطا على الأعشاب الجافة بالخارج، وركضا نحو القرية دون أن يلتفتا وراءهما لمرة واحدة، ظانّين أن الكابوس قد انتهى عند هذا الحد.
ولكن، عندما وصل حسام إلى غرفته وأراد أن يرتاح من أثر الصدمة، اكتشف المفاجأة التي جعلت شعره يشيب من الذعر؛ حيث وجد في قاع حقيبته ورقة قديمة مطوية لم تكن موجودة من قبل، مكتوباً عليها بخط يد أسود وأسلوب قديم: "لقد أخذتم شيئاً لا يخصكم.. وسنأتي لاستعادته الليلة".
ارتجفت يدا حسام وأسقط الورقة على الأرض وهو يتنفس بصعوبة، وحاول على الفور الاتصال بصديقه للتحقق مما يحدث، لكن شاشة الهاتف بدأت تومض بضوء أزرق باهت قبل أن تنطفئ كلياً، وتظهر عليها خطوط سوداء تشبه العروق المتشابكة. في تلك اللحظة بالذات، ساد صمت مطبق داخل الغرفة، وانقَطعت الكهرباء عن المنزل بأكمله بشكل مفاجئ.
قبل أن يستوعب حسام ما يجري
، سمع صوت طرقات خفيفة ومتقطعة تأتي من زجاج نافذة غرفته في الطابق الثاني! تجمّد في مكانه وتحرّكت عيناه ببطء نحو النافذة المغلقة، ليرى ظلاً أسود يقف بالخارج في الهواء الفراغ، يحدّق به بنظرات غير مرئية، بينما بدأ صوت الهمس الغامض الذي سمعه في البيت المهجور يتردد هذه المرة من تحت سريره مباشرة…
(انتظروا الجزء الثاني والأخير في المقال القادم لمعرفة السر المظلم الذي أخذه حسام من البيت وكيف سينجو من هذه الليلة! شاركونا توقعاتكم ورأيكم في التعليقات).🙏❤
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق