انعكاس يسبق صاحبه

انعكاس يسبق صاحبه

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about انعكاس يسبق صاحبه

انعكاس يسبق صاحبه

لم تكن القرية المسماة "وادي الصمت" مجرد مكان ناءٍ وسط الجبال، بل كانت فخاً زجاجياً يحتجز كل من يجرؤ على دخولها بعد غروب الشمس.

وصلتُ إليها في منتصف نوفمبر، أبحث عن حكاية صحفية تنفض الغبار عن مسيرتي المهنية. كان المساء يزحف ببطء ملحوظ، والضباب يلتف حول جذوع الأشجار الميتة كأكفان أثيرية. كل شيء هناك كان يهمس بالخوف: البيوت الحجرية المهجورة، الأبواب المعلقة على مفصلات صدئة تئن مع نسيم الهواء، والهدوء المطبق الذي لا يقطعه حتى صوت صرصار ليل.استقر بي المطاف في منزل قديم يتوسط القرية. كانت جدرانه الرطبة تفوح برائحة العفن والورق المحترق. في غرفة النوم بالدور الثاني، وجدتُ مرآة ضخمة تغطي الحائط بأكمله، مؤطرة بحديد أسود مشغول بأشكال هندسية غريبة. كانت المرآة قاتمة، وكأنها تمتص الضوء بدلاً من عكسه.عند الساعة الثانية صباحاً، استيقظتُ على صوت قطرات ماء تتساقط برتابة قاتلة: تك... تك... تك. جلستُ على السرير، والشمعة الوحيدة في الغرفة ترتجف. التفتُّ نحو المرآة، وهناك تجمّد الدم في عروقي.

لم يكن انعكاسي يقلد حركتي.

كنتُ أقف في المنتصف مرعوباً، بينما كان الانعكاس داخل الزجاج يبتسم ابتسامة عريضة تتجاوز حدود الوجه البشري الطبيعي. كانت عيناه مجرد حفرتين فارغتين ينبعث منهما سواد مطلق. رفعتُ يدي للتحقق، لكن انعكاسي ظل ثابتاً، ثم بدأ يتحرك باقتراب بطيء نحو سطح الزجاج من الداخل.بدأت أطراف أصابعه الرمادية تضغط على الزجاج، حتى ظهرت تصدعات صغيرة في سطح المرآة. انطلقت همسات خفوت بأصوات متعددة تتداخل داخل رأسي: "لقد أطلتَ الانتظار... هذا الجسد يحتاج إلى ساكن جديد".حاولتُ الصراخ، لكن صوتي احترق في حلقي. أردتُ الركض، لكن أقدامي كانت كأنها غُرست في خرسانة باردة. رفع الكائن داخل المرآة يده الأخرى، وضرب الزجاج بقوة جعلت الإطار الحديدي يرتج. تناثرت الشظايا في الهواء، لكنها لم تسقط على الأرض؛ بل ظلت معلقة في الفراغ كشهب سوداء.

خلق السواد المنسكب من خلف المرآة يداً أثيرية باردة كالجليد، امتدت لتلتف حول عنقي. تسللت البرودة إلى أعماق صدري، ومع كل ثانية كانت أنفاسي تسرق مني، كان انعكاسي المظلم يكتسب ألواناً وبشرة تشبه بشرتي تماماً.في اللحظة الأخيرة، جمعتُ كل ما تبقى من قوة في جسدي المتردد، وهويتُ بحامل الشمعة النحاسي على مركز المرآة. صرخة حادة، ليست بشرية، شقت سكون الليل المظلم، وانفجرت الغرفة بنور خاطف.سقطتُ على الأرض ألهث، والماء البارد يغمر وجهي. المرآة كانت مجرد حطام متناثر. ركضتُ نحو السيارة دون أن ألتفت خلفي لمرة واحدة. لكنني حتى اليوم، عندما أنظر إلى أي مرآة في بيتي، ألاحظ أن انعكاسي يتأخر دائماً بجزء من الثانية قبل أن يقلد حركتي... وأعلم أنه ينتظر الفرصة القادمة.

تذكَّر دائماً ان الغموض ينتهي حيث تبدأ المعرفة؛ لذا إذا أردت استكشاف مكان مجهول أو خوض تجربة جديدة، اصطحب معك العلم والتخطيط المسبق، ولا تترك خيالك أو اندفاعك يقودان خطواتك في الظلام.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-