المناوبة الأخيرة: جناح 1974
ظلال مستشفى الرَّجاء
انتهت المناوبة الأخيرَة في مستشفى "الرَّجاء" القديم عند منتصف الليل. لم يكن بالبناء الخالي تمامًا؛ فالأطراف المترامية للمبنى المتهالك كانت تهتز مع كل هبة ريج، والجدران القديمة تتنفس برطوبة يفوح منها عبق الأدوية المنسية.كان أحمد، الممرض الشاب، يمتلك قائمة مهام أخيرة قبل إغلاق جناح الطوارئ بالكامل. خطواته كانت تحدث صدى خفيفًا على البلاط البارد، مصحوبة بصفير رفيع يُسمع من شقوق النوافذ. حين وصل إلى الجناح الغربي المغلق منذ تسعينيات القرن الماضي، لاحظ شيئًا ريبًا: الباب الحديدي الرئيسي، الذي يفترض أن يكون مغلقًا بسلسلة ثقيلة، كان مفتوحًا بشبر واحد، وتنبعث من خلفه برودة غير طبيعية.
اقترب بخطوات حذرة، مسلطًا كشاف هاتفه على الظلام الممتد. كان الهواء بالداخل ثقيلًا، يحمل رائحة حريق قديم وصنعًا مشابهاً للحديد الصدئ. تسللت إلى مسامعه أصوات همسات متقطعة، كأنها قادمة من تحت الأرض، تتداخل مع صوت احتكاك ناعم يسير على الأرضية، شابه سحب أغطية أسِرّة قماشية ثقيلة.وقفت أنفاسه عندما أضاء الكشاف نهاية الممر. لم تكن القاعة خالية؛ كان هناك كرسي متحرك يتهز ببطء شديد دون أن يحركه أحد. وفي اللحظة التي قرر فيها التراجع، انغلق الباب الحديدي خلفه بقوة هائلة جعلت الأرض تهتز، مصحوبًا بصوت استقرار القفل في مكانه بشكل آلي ومحكم.
غرق الممر في ظلام دامس بعدما انطفأ كشاف الهاتف بشكل مفاجئ. ساد صمت جاف لثوانٍ معدودة، قبل أن تبدأ أجهزة قياس نبضات القلب القديمة، الملقاة على الجانبين كخرام، بالعزف فجأة في وقت واحد. نغمات متقطعة متسارعة تعلن عن تقلبات حادة في أنفاس أجساد غير مرئية.على جدار الممر المظلم، بدأت بقع بكتيرية متوهجة ترسم أشكالاً لأيدٍ ممتدة نحو الأسفل. أحس أحمد ببرودة شديدة تلامس رقبة معطفه الأبيض، وصوت أنفاس دافئة ولكنها ثقيلة تتنفس بجانب أذنه اليمنى تمامًا، تطالبه بالبقاء لأن "المناوبة لم تنتهِ بعد".
لم يصرخ؛ إذ تجمدت حباله الصوتية تمامًا. حاول الركض باتجاه الباب المغلق، لكن السيراميك تحت قدميه لم يعد صلبًا، بل أصبح أشبه بماء ركود يسحبه إلى الأسفل ببطء، بينما كانت الأصوات تزداد ارتفاعًا واقترابًا، مؤكدة أن المستشفى لا ينسى زواره أبداً.شعر أحمد بأطرافه تغوص أكثر في السيراميك الذي تحول إلى مادة لزجة دافئة تتنفس كالكائن الحي. امتدت من الظلام أيدٍ شاحبة ذات أظافر متآكلة، تتسابق للقبض على أطراف ثيابه وتسحبه بثبات نحو الأسفل. كانت الوجوه تتشكل تدريجيًا من الدخان المخيم في الجو؛ وجوه لمرضى رحلوا منذ عقود، ملامحهم مشوهة بابتسامات عريضة غير طبيعية، وأعينهم فارغة تجويفها يقطر ظلامًا.
"أين ذهب الملف؟" همس صوت أبحّ في أذنه اليسرى، يعقبه صوت أدوات جراحية معدنية تصطدم ببعضها البعض بنغمات حادة ومستفزة. تحرك الكرسي المتحرك تلقائيًا واقترب منه حتى كاد يلامس ركبتيه، وكان يحمل جهاز صدمات كهربائية قديم ينبعث منه شرر أزرق خاطف يضيء الممر في لمحات سريعة ومتقطعة.مع كل ومضة ضوء، كان يستمر الديكور في التغير. لم يعد الممر جزءًا من مستشفى حديث، بل تحول إلى مشرحة قديمة تعود لبدايات القرن الماضي، الجدران تسيل منها دماء جافة، والأسِرّة المتراصفة عليها أغطية تتنفس وتتحرك بالداخل كأن من تحتها يحاول الخروج بلهفة.حاول أحمد استجماع قوته، ومسح بأصابعه الارتعاش على أزرار هاتفه المحمول علّه يضيء مجددًا. في اللحظة التي اشتعلت فيها الشاشة لثانية واحدة، رأى انعكاس وجهه: لم يكن وجهه هو، بل كان وجه رجل عجوز ترتعد شفتاه ويصرخ دون صوت، ويرتدي بطاقة ممرض تحمل تاريخًا يعود لعام 1974.
فجأة، توقفت كل الأصوات. ساد هدوء مطبق وأشد رعبًا من الضجيج السابق. انقطعت الأنفاس الدفيئة عن رقبتيه، ورُفعت الأيدي المغروسة في جسده دفعة واحدة. رفع رأسه ببطء وسط الظلام، ليرى في نهاية الممر شخصًا يقف بثبات، يرتدي معطفًا طبيًا أبيض ناصعًا، ويحمل بسلسلة مفاتيح ثقيلة.تمتم الشخص بصوت هادئ يشبه صوت أحمد تمامًا: “شكراً لتسليم المناوبة... يمكنك النوم الآن.”سقط أحمد بالكامل في الأرضية التي انفتحت تحت قدميه كهاوية بلا قاع. وفي الصباح التالي، عندما فتح أفراد الصيانة باب الجناح الغربي لإزالة الأنقاض، وجدوا الكرسي المتحرك في منتصف الممر، وتحته هاتف محمول منطفئ، وبطاقة عمل لممرض شاب يدعى "أحمد"، كُتب على ظهرها بخط يديّ طازج: “تم تسليم المناوبة بنجاح.”تستقر البطاقة القديمة على الأرضية الباردة ليتصاعد منها دخان ضئيل، وتتلاشى همسات الممر الـمهجور شيئًا فشيئًا، مخلّفة صمتًا أثقل من الرعب ذاته.
حين تمرّ يوماً بجوار مبنى قديم وتسمع صوتاً يناديك باسمك، أو ترى باباً مغلقاً يُفتح أمامك بشبر واحد... لا تتطوع بإغلاقه، ولا تحاول استكشاف ما خلفه. بعض المناوبات لا تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وبعض الأبواب لا تُفتح لتلج منها، بل لتستبدل من بالداخل بك.