الحبر المظلم: زائر الغرفة الأخير

سر الحجرة السرية!
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما توقفت سيارة يوسف أمام المنزل القديم على أطراف القرية. كان بيتاً متهالكاً، تحيط به أشجار صنوبر ميتة تبدو كأصابع عظمية تحاول إمساك السماء. استأجر البيت بسعر بخس لينهي روايته الجديدة، جاهلاً السبب الحقيقي وراء فرور كل من سكنه قبله.أنزل حقائبه، وكان الصمت خناقاً لا يقطعه إلا صوت صرير الأبواب مع هبات الريح. وضع حاسوبه على الطاولة الخشبية في المنتصف، وبدأ الكتابة. بعد ساعة، سمع صوتاً خفيفاً خافتاً، ليس رياحاً ولا صرير خشب، بل كأنه تنفس ثقيل يصدر من الزاوية المظلمة للغرفة.توقف يوسف عن الرقن، وتجمدت أصابعه فوق الكيبورد. التفت بطرق بطيئة، لكنه لم يرَ شيئاً. هَزّ رأسه متوهماً أنه الإرهاق. لكن مع عودته للشاشة، لاحظ شاشته تنبض بضوء أزرق باهت، وبدأت الكلمات تُكتب تلقائياً دون أن يلمس لوحة المفاتيح:«أنا أراك.. والظلام ليس فارغاً كما تظن.»
سرت برودة قاسية في عروقه، وقف مسرعاً وأسقط الكرسي خلفه. فجأة، انطفأت جميع الأنوار، وجرّ البيت في ظلمة حلكاء. تملك الرعب قلبه، وأخرج هاتفه ليستضيء بنوره، وحين أضاء الكشاف اتجاه الزاوية المظلمة، كاد قلبه يتوقف من الهول.
لم تكن الزاوية فارغة. كان هناك كائن طويل، ينحني بسقف الغرفة، بشبكة من الأطراف النحيلة كالمقصلة، وجهه شاحب بلا أعين، وفمه شق عريض يمتد من الأذن إلى الأذن مبتسماً ابتسامة مشوهة. كانت الشرايين السوداء تبرز من جلده البارد، ويده الممتدة المليئة بالندوب تتجه ببطء نحو وجه يوسف.حاول يوسف الصراخ، لكن الصوت تجمد في حلقة. حاول الركض نحو الباب، لكن قدميه كانتا مثقلتين كأنهما غُرستا في الأسمنت. بدأ الكائن يتقدم بنعومة مرعبة، وسرت رائحة كبريت وعفن تملأ المكان.امتدت تلك الأصابع العظمية الباردة ولامست وجنة يوسف. كانت البرودة تخترق لحمه لتصل إلى العظام مباشرة. همس الكائن بصوت يشبه حفيف الأوراق الجافة في أذنه:«لقد أطلت الانتظار.. هذا بيتي، وأنت الحبر الجديد لروايتي.»
سقط الهاتف من يد يوسف، وانكسرت الشاشة ليعود الظلام التام. وفي الصباح التالي، كانت سيارة يوسف ما تزال متوقفة في الخارج، والحاسوب يعمل على الطاولة، وتحت العنوان مكتوب سطر واحد أخير بدم جاف: «لا تحاول البحث عنه، فهو الآن جزء من الغرفة.»انقضت ثلاثة أيام قبل أن تبدأ الشرطة البحث عن يوسف. وصل الضابط سامح برفقة فرقة صغيرة إلى البيت المتهالك. كانت السيارة متوقفة في مكانها، مغطاة بطبقة غبار كثيفة كأنها مهجورة منذ سنوات.
اقتحم الضابط الباب الأمامي، فتحرك صرير الحديد الصدئ ليرتطم بالجدران. ساد البيت صمتٌ مقبرة، ورائحة عفن مختلطة بحديد صادئ تملأ الهواء. على الطاولة الخشبية، كان الحاسوب ما يزال يعمل، وشاشته تومض بالسطر الأخير المكتوب بالدم الجاف.تأمل الضابط الشاشة بوجوم، ثم أمر رجاله بتفتيش المكان. صعد أحد الشرطيين إلى الطابق العلوي، وبعد لحظات، دوى صوت صراخ مكتوم، تبعه صوت سقوط حاد. ركض سامح نحو مصدر الصوت ومسدسه مشهر، ليجد الشرطي جالسًا على الأرض يرتجف بشدة، ويشير بأصبع ترتعد نحو الحائط الخفي خلف الخزانة.
كان هناك باب خشبي صغير، لم يكن مذكورًا في خريطة المنزل. اقترب سامح ببطء، ودفع الباب بكعب جزمته. فُتح الباب ليكشف عن درج حجري ضيق يمتد إلى الأسفل نحو ظلمة مطلقة، تخرج منها برودة تجمد الأنفاس.وجه سامح كشافه نحو الأسفل، وبدأ بالمشي خطوة بخطوة. كانت الجدران الحجرية رطبة، ومغطاة بخطوط سوداء تشبه العروق. وفي أسفل الدرج، وجد غرفة صغيرة بلا نوافذ، وفي منتصفها كرسي خشب قديم.على الكرسي، كان يوسف جالسًا.
لم يكن ميتاً، لكنه لم يكن حياً أيضاً. كان جسده شاحباً كالثلج، وعيناه مفتوحتان تماماً وتنظران إلى الفراغ، بينما تحركت أصابعه الهزيلة في الهواء كأنه يكتب على لوحة مفاتيح وهمية.اقترب سامح وهو ينادي باسمه: “يوسف! هل تسمعني؟”في تلك اللحظة، توقفت أصابع يوسف. أدار رأسه ببطء شديد، وبزاوية غير طبيعية كادت تكسر عنقه. فتح فمه، ولم يخرج منه صوت يوسف، بل خرج صوت حفيف جاف ومضاعف، يتداخل فيه صوت يوسف مع صوت آخر مظلم:«القصة لم تنتهِ بعد.. لقد وصل القارئ الجديد.»فجأة، انغلق الباب الخشبي في أعلى الدرج بقوة هزت أركان الغرفة، وانطفأ كشاف سامح ليعم الظلام التام، مترافقًا مع صوت تنفس ثقيل يبدأ من كل زوايا الحجرة.