همسات من الأطلال

ظلال الغرفة رقم ٧
لم تكن المصادفة وحدها هي التي قادتني إلى ذلك الفندق المهجور عند أطراف المدينة، بل كانت ليلة مطيرة وعاصفة أجبرتني على البحث عن أي مأوى. كان المبنى يترنح تحت ضربات الرياح، وجدرانه الخشبية تئن كأنها تحاكي صرخات أناس أسيئ احتجازهم في الماضي. أخذت المفتاح الصدئ من موظف الاستقبال الذي كان يجلس بصمت مريب، بعينين غائرتين لا ترمشان، ليؤشر لي بنظرة باهتة نحو الممر المظلم: "الغرفة رقم ٧... في آخر الممر."
صعدت الدرجات الخشبية والظلال تتراقص حول ضوء هاتفي الخافت. عند باب الغرفة، تردد نبض قلبي فجأة وتسارعت أنفاسي بدون سبب واضح. أدرت المقبض المعدني الذي كان بارداً كأنه قطعة من الثلج، وفتحت الباب لتستقبلني رائحة رطوبة خنقها الزمن، وبرودة مفاجئة اخترقت عظامي.كانت الغرفة بسيطة: سرير قديم، وخزانة ملابس خشبيّة، ومآسٍ تنام بين الطيات. جلست على طرف السرير لألتقط أنفاسي، وفي تلك اللحظة بالذات، انطفأ ضوء هاتفي تماماً رغم اكتشال بطاريته. ساد ظلام دامس، هادئ ومريب، قبل أن يبدأ الخشب بالأنشطة غير الطبيعية.
سمعت صوت خطوات ثقيلة تقترب من الخزانة. تتنفس ببطء، أنفاسٌ حارة ومكتومة تصطدم بظهري. حاولت الحركة، لكن جسمي أصابه شلل كامل من الرعب. شعرت بيَدٍ باردة كالعظام تلتف حول رقبتي ببطء، وصوت يهمس في أذني لن أنساه ما حييت: "لقد أخذت مكاني...".تجمعت قوّتي الأخيرة وأطلقت صرخة مكتومة، ليتفجر الباب مفتوحاً بفعل الرياح الخارجية. أضاء برق خاطف أرجاء الغرفة للحظة واحدة، ورأيت في المرآة انعكاساً لم يكن لي؛ شائباً، بلا ملامح واضح، وبعينين تنزفان سواداً.ركضت نائياً بنفسي في الممر دون النظر خلفي، ودفعت باب الفندق الخارجي لألقي بنفسي في العاصفة. وعندما التفتّ أخيراً لأتفحص المبنى من الشارع، لم يكن هناك أي فندق... مجرد أطلال محترقة منذ عقود، وتتحرك خلف إحدى نوافذها المحطمة شعلة خفيفة، كأنها تحييني من الغرفة رقم ٧.
وقفتُ في منتصف الشارع تحت هطول المطر الغزير، والماء البارد يتدفق على وجهي دون أن يفلح في إيقافي عن الارتجاف. كانت الأطلال المحترقة الشاخصة أمامي تشهد على حريق أكل الأخضر واليابس منذ زمن بعيد، لكن الشعلة البرتقالية الضئيلة في نافذة الغرفة رقم ٧ كانت تتحرك ببطء، وكأنها عين تراقبني من وسط الرماد.لم أتمكن من تحريك قدمي فوراً؛ كأن الأرض قد ابتلعت إرادتي. وفجأة، سكنت الرياح تماماً وانقطع صوت المطر، ليحل صمت مرعب أشبه بذاك الذي يسبق الموت. من بين ركام الباب الخارجي للمبنى المهدم، خرجت هيئة موظف الاستقبال الذي قابلته منذ قليل. كان يرتدي نفس الزي القديم، لكنه هذه المرة لم يكن يسير على الأرض... بل كان يطفو فوق الركام ببطء شديد، ووجهه المشوه بالرقاع المحترقة يبتسم ابتسامة عريضة غير طبيعية تمتد حتى أذنيه.
رفعت يدي لأحمي وجهي، لكن الصوت جاء هذه المرة ليس من الشارع، بل من داخل رأسي مباشرة، بصوت طبقي خشن: “لا أحد يغادر الفندق دون أن يدفع الثمن... لقد وقّعت في سجل الزوار بالفعل.”نظرت إلى يدي اليسرى المفزوع، لأجد أن المفتاح الصدئ الذي ظننت أنني تركته خلفي ما زال ممسوكاً بقوة بين أصابعي، بل وأصبح ساخناً كجمرة ملتهبة بدأت تحرق جلدي. انطلقت صرخة مكتومة من حقيقي عندما بدأت علامة برونزية غريبة تنحفر على كفي كأنها كَيّ بالحديث المحمى.
سقطت على ركبتي في الطين، وعندما رفعت رأسي مجدداً، لم يكن الشارع خاوياً. كانت هناك عشرات الظلال الباهتة تقف حول الأطلال، بلا أوجُه ولا ملامح، وتنظر جميعها نحوي في صمت تام. أدركت حينها أن الغرفة رقم ٧ لم تكن مجرد مكان يسكنه شبح، بل كانت بوابة... وما دخلها مرة، يصبح جزءاً من أرواحها الهائمة للأبد.جمعت ما تبقى لديّ من غريزة البقاء، وألقيت المفتاح الملتهب بكل قوتي نحو الأطلال، ثم استدرت وهرولت في الظلام لا أستدل بطريق، صوتاً واحداً يتردد خلفي وسط صدى العاصفة التي عادت لتعصف بالمدينة: "سنلتقي في ليلة مطيرة أخرى..."
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق