صمت لا ينتهي
صمت السرداب

لم تكن قراءة الكتب القديمة مجرد هواية بالنسبة لي، بل كانت شغفاً يدفعني للبحث في أزقة المدينة القديمة عن كل ما هو مجهول. في ذلك اليوم الماطر، عثرت في متجر للكتب المستعملة على مخطوطة جُلدت بجلد داكن خشن، لم يحمل غلافها أي عنوان. أخبرني البائع العجوز بنبرة قلقة أن أتركها مكانها، لكن حفضولي غلب حذري، فاشتريتها وعُدت بها إلى شقتي في الطابق العلوي من بناية عتيقة.
مع حلول منتصف الليل، جلست تحت ضوء مصباحي المكتبي الضئيل وأنا أفتح الصفحات اللاتينية المتهالكة. كانت الحروف مكتوبة بحبر أحمر باهت أشبه بالدم الجاف، وتتحدث عن طقوس استحضار كيان يُدعى "الحارس الصامت". وما إن قرأت الجملة الأخير بصوت خافت حتى اهتزت ألسنة اللهب في الشموع، وساد الشقة هدوء مفاجئ؛ هدوء ثقيل ومقلق كأن الصوت تم سحبه بالكامل من الغرفة.
توقفت عقارب الساعة عن الحركة. حاولت النهوض من كرسيي، لكنني شعرت ببرودة قاسية تلامس أسفل ظهري. تلفتّ حولي ببطء، لأرى ظلاً طويلاً يتمدد على الجدار المقابل، رغم أنني كنت أقف بفرادي. لم يكن الظل يُشبهني؛ كان هيئة مشوهة بطول أطراف غير طبيعية، ورأس يميل بزاوية حادة ومريبة.
انطفأ مصباح المكتب فجأة. وفي الظلام الدامس، سمعت صوت همس يصدر من جميع زوايا الغرفة في وقت واحد. لم يكن همساً بلغة أعرفها، بل كان أشبه بالحفيف الناجم عن احتكاك جلود جافة. حاولت الصراخ، لكن صوتي تلاشى في حنجرتي تماماً، وكأن الهوى رفض نقل أي تردد ينطق به لساني.اتجه الظل نحو الخزانة الخشبية القديمة في أقصى الغرفة، وبدأ يطرق عليها من الداخل، رغم أنها كانت مقفلة وممتلئة بالملابس. كانت الطرقات تتصاعد بقوة ووتيرة متسارعة، يرافقها صوت قهقهة مكتومة تأتي من تحت بلاط الأرضية. شعرت بأصابع غير مرئية تمسك بكاحلي وتسحبني ببطء نحو السرداب الموجود أسفل الشقة، والذي لم أفتحه منذ سنوات.
انفتح باب السرداب الخشبي تلقائياً ليظهر مدرج أسود ينحدر إلى ظلام لا نهاية له. تجمعت قواي الأخيرة، ووجّهت ركلة للمخطوطة لألقيها في نيران المدفأة المشتعلة. وما إن التهمت النار الصفحات حتى أطلق الكيان صرخة مدوية هزت أركان البناية، وعاد الضوء والصوت فجأة إلى الغرفة.سقطت على الأرض وأنا ألهث، وحين نظرت نحو باب السرداب، وجدته مغلقاً بإحكام... لكن على مقبضه كانت توجد طبعة يد مشتعلة بالرماد.بقيتُ منبطحاً على الأرض، وأنفاسي الثقيلة تتصاعد في هواء الغرفة الذي صار أبرد من القطبين. كانت يد الرماد المشتعلة على مقبض السرداب تتفحم ببطء، تاركةً أثراً حاداً ورائحة كبريت نفّاذة زكمت أنفي. ظننتُ أن الحريق الذي التهم المخطوطة قد أنهى اللعنة، لكن الصمت الذي تلا ذلك كان زائفاً ومفخخاً.
فجأة، بدأت جدران الشقة تئن تحت وطأة اهتزازات خفيفة. لم تكن هزّة أرضية، بل كانت البناية بأكملها تتمدد وتنكمش كأنها صدر كيان حي يتنفس. التفتُّ نحو المرآة المعلقة فوق المدفأة، ولشدة هولي، لم أجد انعكاس الغرفة فيها؛ بل رأيتُ مدرج السرداب الأسود ذاته يمتد إلى داخل المرآة، وعلى درجاته كانت تقف هيئات عديدة ذات أعين متوهجة بسواد صلب، تنظر إليّ بجمود قاتل.سمعتُ صوت قطرات ماء تسقط بانتظام على بلاط الغرفة، لكن المطر في الخارج كان قد توقف تماماً. كانت القطرات تتساقط من السقف مباشرة، وتحديداً فوق رأسي... ولم تكن ماءً، بل سائل أسود لزج يفوح برائحة العفن والعقود الغابرة. رفعت رأسي برعب لأرى السقف يتشقق، ويخرج منه وجه "الحارس الصامت" المشوه، مستلقياً في أعلى الغرفة كمخلوق زاحف، بابتسامة متسعة تثقب العتمة.
همس الكيان بنبرة خرساء ترددت في عظام جمجمتي مباشرة: “الحرق لا يلغي العهد... لقد فتحت الباب، والآن صرت أنت القفل.”شعرْتُ ببدء تحول قسري في أطرافي؛ كان جلدي يجف بسرعة ويتصلب كصفحات المخطوطة القديمة، وحروق باردة تتشكل على كفي تشبه تماماً النقوش اللاتينية التي قرأتها. زحفتُ نحو باب الشقة الخارجي محاولاً الفرار، لكن المقبض انكسر في يدي كأنه من زجاج متهالك.ارتفعت ألسنة الظلام من شقوق الأرضية لتلتف حول جسدي، ورفعتني ببطء نحو فتحة السرداب التي انفتحت مجدداً تلقائياً. وفي اللحظة الأخيرة قبل أن أهوي في القاع المظلم، أدركت الحقيقة المروعة: البائع العجوز لم يكن سوى الضحية السابقة، والمخطوطة لم تكن إلا طُعماً لاستدراج حارس جديد يحل محله في ظلمة السرداب الأبدية.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق