همسات الغابة الملعونة

صفير في الليل
لم تكن القرية النائية التي زرُتها لكتابة مقالي الجديد سوى أطلالٍ تهمس بين الجبال، يحيط بها غطاء كثيف من الضباب البارد الذي لا ينجلي حتى في ظهيرة الصيف. استأجرت كوخاً خشبياً قديماً عند أطراف الغابة، متجاهلاً تحذيرات كبار السن في المقاهي الشعبية حين قالوا لي بنبرة جادة: “إذا سمعت الصفير بعد منتصف الليل، أغلق عينيك ولا تجب.”مع حلول الساعة الثانية صباحاً، أضاءت الشمعة الوحيدة على مكتبي بضوء برتقالي واهن. كانت الرياح الخفيفة تداعب أوراق الشجر، وفجأة، ساد هدوء مطبق. انقطع صوت صراصير الليل تماماً، لتنطلق نغمة صفير حادة ورفيعة من بين الأشجار، نغمة منتظمة تشبه ألحان مهود الأطفال المنسية، لكنها كانت تخترق الأذن ببرودة مريبة.
اقتربت من النافذة بدافع الفضول الذي طالما أوردني المهالك. رفعت الستارة الخفيفة لاستكشف المصدر، ولم أَرَ سوى الضباب، لكن الصفير كان يقترب ببطء شديد. كان الصوت ينتقل من شجرة إلى أخرى بلمح البصر، وكأن صاحبه يطير دون أن يمس الأرض. حركت عينيّ في الظلام، لألمح هيئة شاحبة طويلة جداً تخرج من خلف جذع شجرة بلوط قديمة.لم تكن للهيئة أقدام، بل كانت تتدرج في الضباب، ووجهها خاوٍ تماماً من الملامح؛ لا أعين ولا أنف، باستثناء ثقب دائري أسود في منتصف الوجه ينبعث منه ذلك الصفير المتواصل. شعرت بشلل تام يربط أطرافي، بينما اتجه الكيان نحو كوخي بخطوات غير مرئية.
وصل الكيان إلى ما بعد النافذة مباشرة. تفصلني عنه زجاجة خفيفة فقط. أغلقت عينيّ بقوة وتذكرت تحذير العجوز، لكن الصفير تحول فجأة إلى همس ملتصق بالزجاج، بصوت يماثل صوتي تماماً: "اعلم أنك تسمعني... افتح عينيك."
فتحتهما دون إرادة مني تحت تأثير الذهول والرعب، لأجد الثقب الأسود في وجه الكيان يتسع ويتمدد، ويمتص الضوء من الغرفة ببطء. انطفأت الشمعة، وأحسست ببرودة أصابعه غير المرئية تخترق صدري لتلامس قلبي. ومنذ تلك الليلة، لم أعد أستطيع الكلام؛ لقد أخذ الكيان صوتي، وتركني في الظلام أردد صفيره بغير إرادتي كلما حل الليل.كان الصفير ينبعث من حنجرتي رغماً عني، نغمة حادة ومظلمة تخرج مع كل زفير يتردد في صدري. لم أعد أملك السيطرة على جسدي؛ تحولتُ إلى مجرد آلة موسيقية لحنها الخوف، تصدر صفير الكيان في عتمة الكوخ. وفي الخارج، كان الضباب يزداد كثافة حتى بدأ يتسلل من تحت الفتحات السفلى للباب، متجسداً في صورة أذرع ظلية كاحلة تحيط بقدمي وتثبتني في مكاني.
بدأت جدران الكوخ الخشبية تتآكل بسرعة مريعة، وكأن السنوات تمر عليها في ثوانٍ معدودة. انحلت الألواح وتساقط الدهان، واستحال المكان إلى أطلال بالية لا تختلف عن باقي قرية الجبال المهجورة. تحرك الكيان الشاحب عبر الزجاج المكسور للنافذة ودخل الغرفة دون أن يصدر أي صوت، سوى الصدى الناجم عن صفيري القسري الذي يتردد في البقعة بأكملها.اقترب الوجه الخالي من الملامح حتى صار على بعد بوصات قليلة من وجهي. أستطيع الآن رؤية الثقب الأسود في منتصف رأسه عن قرب؛ لم يكن مجرد فتحة، بل كان دوامة من الظلام اللانهائي تبتلع كل شعاع ضوء قادم من السماء. حرك الكيان يده الشاحبة ذات الأصابع الطويلة المدببة، ووضع إبهامه على جبهتي.
في تلك اللحظة، تدفقت في عقلي رؤى مروعة لسكان هذه القرية السابقين. رأيتهم جميعاً يتجولون بين الأشجار في الليالي المطيرة، بأوجه خاوية وأجساد باهتة، يطلقون الصفير ذاته في عزلة أبدية. أدركت حينها السر المرعب: لم تكن القرية خالية بسبب هجرة سكانها، بل لأن الكيان حوّل كل من استمع إليه إلى جزء من جنده الصامتين الذين يطوفون الغابة بحثاً عن ضحايا جُدد.بدأ جلدي يفقد لونه، وشعرت بملامحي تتلاشى وتنمحي ببطء؛ غابت عيناي وأنفي، ولم يتبقَ في وجهي سوى ثقب أسود صغير ينتج ذلك اللحن الملعون. لم أعد أذكر اسمي، ولا كيف وصلت إلى هذا المكان، ولا المقال الذي جئت لأكتبه. رفعت قدمي الخفيفتين عن الأرض، وخرجت أطفو مع الضباب بين أشجار البلوط مظلماً، بانتظار مسافر جديد يرتكب خطأ الاستماع إلى صفير الليل.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق