سر المرآة القديمة
سر المرآة القديمة
كان كريم يحب شراء الأشياء القديمة.
لم يكن يعرف السبب، لكنه كان يشعر دائمًا أن الأشياء القديمة تحمل حكايات لا يعرفها أحد. ساعة متوقفة، صندوق خشبي، صورة عائلية باهتة… كل شيء قديم كان يلفت انتباهه.
وفي أحد الأيام، دخل محلًا صغيرًا لبيع الأثاث المستعمل في شارع جانبي هادئ.
كان المحل مظلمًا، ورائحته خليط من الخشب القديم والغبار.
وبينما كان كريم يتجول بين الأثاث، لفت انتباهه شيء في آخر المحل.
مرآة كبيرة بإطار خشبي أسود.
كانت أطول من الإنسان تقريبًا، والإطار مليئًا بنقوش غريبة تشبه أغصان الأشجار المتشابكة.
اقترب كريم منها.

نظر إلى انعكاسه.
كان كل شيء طبيعيًا.
لكن عندما لمس الإطار، ظهر صاحب المحل فجأة خلفه وقال:
— "دي مش للبيع."
التفت كريم باستغراب.
— "ليه؟ أنا عاجباني."
نظر الرجل إلى المرآة، ثم إلى كريم.
— "صدقني… اختار أي حاجة تانية."
ضحك كريم وقال:
— "هي مرآة يعني، هتعمل إيه؟"
لم يضحك الرجل.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال:
— "لو أخدتها… ماتحطهاش في أوضة نومك."
كان كلامه غريبًا، لكنه جعل كريم أكثر فضولًا.
وبعد إصرار طويل، وافق صاحب المحل على بيعها.
في المساء، حمل كريم المرآة إلى منزله.
كان يستطيع وضعها في غرفة المعيشة، لكنه قرر وضعها في غرفته.
ثبتها على الحائط، ثم وقف أمامها.
ابتسم.
رفع يده اليمنى.
رفع انعكاسه يده أيضًا.
كل شيء طبيعي.
ابتعد كريم عن المرآة.
ثم عاد إليها فجأة.
كان انعكاسه يفعل الشيء نفسه.
تنفس كريم براحة.
— "واضح إن الراجل كان بيخوفني وخلاص."
أطفأ النور وذهب للنوم.
في منتصف الليل، استيقظ كريم على صوت خافت.
تك… تك… تك.
فتح عينيه.
كان الصوت يأتي من ناحية المرآة.
جلس على السرير ونظر إليها.
لم ير شيئًا.
عاد للنوم.
بعد دقائق…
تك… تك… تك.
هذه المرة كان الصوت أوضح.
نهض كريم، وأشعل المصباح.
اقترب من المرآة.
لم يجد شيئًا.
لكنه لاحظ شيئًا جعله يتوقف.
انعكاسه لم يكن واقفًا في نفس المكان.
كريم كان واقفًا أمام المرآة.
لكن انعكاسه كان أبعد قليلًا.
ظل يحدق فيه.
ثم حرّك كريم يده.
انعكاسه حرّك يده…
لكن بعده بثانية.
تجمد كريم.
جرب مرة أخرى.
حرك رأسه.
الانعكاس تأخر.
خطا خطوة للخلف.
الانعكاس تأخر أيضًا.
اقترب كريم من المرآة حتى أصبح وجهه قريبًا منها.
همس:
— "إيه ده؟"
وفجأة…
ابتسم انعكاسه.
لكن كريم لم يكن يبتسم.
تراجع بسرعة.
ثم أطفأ المصباح وخرج من الغرفة.
في الصباح، أقنع كريم نفسه أن ما حدث كان بسبب التعب.
لكنه عندما دخل غرفته، وجد شيئًا غريبًا.
كانت المرآة مغطاة بقطعة قماش سوداء.
وقف أمامها مذهولًا.
كان متأكدًا أنه لم يغطها.
اقترب منها ورفع القماش.
ظهرت المرآة.
لكن هذه المرة لم تعكس الغرفة.
كانت سوداء تمامًا.
ثم ظهرت نقطة ضوء صغيرة في المنتصف.
كبرت النقطة تدريجيًا…
حتى تحولت إلى عين.
عين تنظر إليه مباشرة.
تراجع كريم.
وفجأة ظهرت كلمات على سطح المرآة، وكأن أحدًا يكتب عليها من الداخل:
"لا تنظر خلفك."
توقف كريم عن التنفس للحظة.
ثم سمع صوتًا خلفه.
صوتًا منخفضًا جدًا:
— "كريم…"
أغمض عينيه.
لم يتحرك.
الصوت عاد:
— "بص ورا."
فتح كريم عينيه.
لم يلتفت.
ظل واقفًا مكانه حتى اختفى الصوت.
اتصل كريم بصديقه سامح وحكى له ما حدث.
ضحك سامح وقال:
— "إنت محتاج تنام كويس."
جاء سامح إلى المنزل.
وقف أمام المرآة.
— "شايف؟ مفيش حاجة."
نظر كريم إلى المرآة.
كان سامح يقف أمامها.
لكن انعكاس سامح…
لم يكن ينظر إليه.
كان ينظر إلى كريم.
قال كريم:
— "سامح… ماتتحركش."
— "ليه؟"
— "بص على الانعكاس."
نظر سامح.
سكت.
الانعكاس كان يبتسم.
سامح لم يكن يبتسم.
ابتعد الاثنان عن المرآة.
وفي اللحظة نفسها…
اختفت الابتسامة.
وعاد الانعكاس طبيعيًا.
قرر سامح أن المرآة يجب أن تخرج من المنزل.
حملاها معًا إلى المخزن.
لكن قبل أن يغلقا الباب، قال سامح:
— "استنى…"
نظر كريم إليه.
— "إيه؟"
أشار سامح إلى المرآة.
كان انعكاسهما ظاهرًا بداخلها.
لكن خلفهما في الانعكاس…
كان هناك شخص ثالث.
واقف في الظلام.
لم يلتفت أي منهما.
أغلقا باب المخزن فورًا.
في تلك الليلة، لم يستطع كريم النوم.
عند الساعة الثالثة صباحًا، سمع صوت طرق.
دق… دق… دق.
جاء الصوت من المخزن.
ثم سمع صوت سامح:
— "كريم… افتح."
جلس كريم على السرير.
لكن سامح لم يكن في المنزل.
غادر منذ ساعات.
عاد الصوت:
— "كريم… أنا هنا."
اقترب كريم من باب غرفته.
ثم تذكر شيئًا.
صوت سامح كان يأتي من داخل المخزن.
اقترب ببطء.
وعندما وصل إلى الباب، وجد تحته ضوءًا خافتًا.
فتح الباب.
كان المخزن فارغًا.
المرآة لم تعد هناك.
رجع كريم إلى غرفته.
ثم توقف.
المرآة كانت معلقة على الحائط من جديد.
لكن هذه المرة…
لم يكن انعكاسه موجودًا.
كانت الغرفة تظهر في المرآة.
السرير.
المكتب.
النافذة.
لكن كريم نفسه لم يكن موجودًا.
وفجأة ظهر انعكاس شخص آخر مكانه.
سامح.
كان سامح يقف داخل المرآة.
نظر إلى كريم وقال:
— "إنت لسه برا؟"
اقترب كريم من المرآة.
— "سامح؟ إنت فين؟"
ابتسم سامح بحزن.
— "أنا جوه من زمان."
ثم اقترب وجهه من سطح المرآة وهمس:
— "ماتخليشها تشوفك تاني."
اختفى سامح.
وعاد انعكاس كريم.
لكن هذه المرة كان انعكاسه واقفًا وظهره إليه.
ناداه كريم:
— "إنت مين؟"
استدار الانعكاس ببطء.
وقال:
— "أنا أنت… بعد ما تفتح الباب."
في اليوم التالي، ذهب كريم إلى محل الأثاث القديم.
لكن المحل لم يكن موجودًا.
بحث في الشارع.
سأل أصحاب المحلات القريبة.
أحدهم قال:
— "المحل ده مقفول من حوالي عشرين سنة."
— "مستحيل… أنا اشتريت منه المرآة امبارح."
نظر الرجل إليه باستغراب.
ثم قال:
— "اسم صاحب المحل كان إيه؟"
ذكر كريم الاسم.
تغير وجه الرجل.
— "صاحب المحل مات من عشرين سنة."
عاد كريم إلى منزله مسرعًا.
دخل غرفته.
المرآة كانت في مكانها.
لكن على إطارها ظهرت صورة قديمة.
صورة لعائلة تقف أمام المرآة.
وبين أفراد العائلة…
كان هناك طفل صغير يشبه كريم بشكل مخيف.
وفي أسفل الصورة تاريخ قديم جدًا.
قبل ولادة كريم بسنوات طويلة.
قرب كريم وجهه من الصورة.
ثم لاحظ شيئًا آخر.
في خلفية الصورة كان هناك رجل يقف بعيدًا.
كان الرجل يحمل نفس المرآة.
لكن وجهه…
كان وجه كريم.
حاول كريم كسر المرآة.
أمسك بقطعة خشب وضرب الزجاج.
لكن المرآة لم تتحطم.
على العكس…
ظهرت عليها شقوق سوداء تشبه العروق.
ومن داخل المرآة جاء صوت كثير من الأشخاص في نفس الوقت:
— "أخيرًا…"
تراجع كريم.
ثم ظهر انعكاسه.
لكن الانعكاس لم يقل شيئًا.
فقط رفع يده ووضعها على سطح المرآة.
وبعد لحظات…
شعر كريم بيد تلمس يده من الجهة الأخرى.
سحب يده بسرعة.
ركض نحو الباب.
لكن عندما فتحه…
لم يجد الممر.
وجد غرفة أخرى.
نفس غرفته.
وفي نهايتها…
مرآة أخرى.
ثم مرآة ثانية.
ثم ثالثة.
مئات المرايا تمتد إلى ما لا نهاية.
وفي كل مرآة كان يرى نسخة مختلفة منه.
واحدة تضحك.
واحدة تبكي.
واحدة تنظر إليه بصمت.
وفي آخر مرآة…
رأى نفسه جالسًا على سريره.
كأنه يشاهد حياته من مكان بعيد.
ثم سمع صوتًا خلفه:
— "اختار واحدة."
التفت كريم.
لم يكن هناك أحد.
عاد ينظر إلى المرايا.
فوجد أن كل النسخ اختفت.
وبقيت مرآة واحدة فقط.
اقترب منها.
رأى نفسه واقفًا داخلها.
لكن هذه المرة…
كان الانعكاس يطرق على الزجاج من الداخل.
دق… دق… دق.
ثم ظهرت كلمات:
"ساعدني أخرج."
رفع كريم يده نحو المرآة.
وقبل أن يلمسها، ظهر سطر جديد:
"لكن لو خرجت أنا… مين هيبقى مكانك؟"
توقف كريم.
وفجأة انطفأت الأنوار.
في الصباح، استيقظ الجيران على أصوات طرق قادمة من منزل كريم.
طرق متواصل.
دق… دق… دق.
دخل والده المنزل بعد أن فتح الباب.
لم يجد كريم.
بحث في كل الغرف.
حتى وصل إلى غرفة النوم.
كانت الغرفة فارغة.
لكن المرآة كانت معلقة على الحائط.
اقترب الأب منها.
نظر إلى انعكاسه.
كان طبيعيًا.
ثم ظهر كريم فجأة خلفه داخل المرآة.
طرق على الزجاج بعنف.
الأب لم يسمعه.
صرخ كريم:
— "بابا!"
لكن صوته لم يصل.
ثم ظهر شخص آخر بجانب كريم.
كان يشبهه تمامًا.
وقف الشخص الجديد داخل المرآة…
ثم خرج من الغرفة.
وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب خلفه، التفت إلى المرآة وابتسم.
داخل المرآة، ظل كريم يطرق الزجاج.
دق… دق… دق.
وفي تلك اللحظة، ظهرت كتابة جديدة على سطح المرآة:
"المرآة لا تحبس الأشخاص… إنها تستبدلهم."
ومنذ ذلك اليوم، أصبح والد كريم يرى ابنه في المنزل كل صباح.
يتحدث معه.
يضحك معه.
ويجلس معه على الإفطار.
لكن هناك شيء واحد لم ينتبه إليه…
كل ليلة، عندما يمر أمام المرآة…
انعكاس كريم لا يظهر.
أما في أعماق المرآة…
فكان كريم لا يزال واقفًا هناك.
ينتظر شخصًا جديدًا يقترب.
ثم يرفع يده ببطء…
ويطرق ثلاث طرقات.
دق… دق… دق.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق