بحيرة الموتي وسجن الاشباح

بحيرة الموتي وسجن الاشباح

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

بحيرة الموتي وسجن الاشباح

 

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحنبذه مختصره 

لم تكن بحيرة الموتى، كما أطلق عليها سكان قرية "وادي الصمت" النائية، مجرد مسطح مائي راكد تحيط به أشجار الصفصاف الباكية، بل كانت لغزاً أسود ابتلع كل من تجرأ على الاقتراب منها بعد غروب الشمس. كانت المياه داكنة للغاية، كأنها حبر سُكب في جوف الأرض، ولا تعكس ضوء القمر أبداً، بل تبدو وكأنها تمتص الضوء وتبث عوض نهاً عنه برودة تقشعر لها الأبدان.

بدأت الحكاية عندما قرر يوسف، وهو شاب في أواخر العشرينيات ويعمل باحثاً في الظواهر غير الطبيعية، زيارة القرية. لم يكن يوسف يؤمن بالخرافات، وكان يرى أن كل "لعنة" لها تفسير علمي ينتظر من يكتشفه. استأجر غرفة في نزل صغير على أطراف القرية، وكان صاحبه، العجوز "مصطفى"، أول من حذره. قال له وعيناه تملأهما ريبة شديدة: "يا بني، تلك البحيرة لا ترحم. إنها لا تأخذ الأجساد فقط، بل تسرق الأرواح. إذا سمعت صوت همس يدعوك باسمك في الليل، فأغلق أذنيك واهرب".

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحابتسم يوسف معتبراً الحديث نوعاً من التهويل لجذب السياح، ولم يعلم أن هذه الابتسامة ستكون خطوته الأولى نحو الجحيم.

في ليلته الثالثة، كانت السماء غائمة والرياح تعزف لحناً جنائزياً بين الأغصان. حزم يوسف حقيبته، ومعه كشاف ضوئي قوي، كاميرا ليلية، وجهاز تسجيل صوتي متطور. سار في الممر الضيق المؤدي إلى البحيرة، وكانت رائحة الرطوبة والعفن تزداد حدة كلما اقترب.

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحعندما وصل إلى الضفة، ساد صمت مطبق. سكون غير طبيعي، فلا صوت لضفادع ولا حفيف لأوراق الشجر. أخرج جهاز التسجيل ووضعه على صخرة قريبة، ثم وجه كشافه نحو المياه. فجأة، اهتزت المياه الراكدة وصنعت دوائر منتظمة، رغم عدم وجود أي رياح أو كائنات حية.

شغل يوسف كاميرته وبدأ بالتقاط الصور. وفجأة، التقطت شاشة الكاميرا شيئاً جعله يتسمر في مكانه. تحت سطح الماء مباشرة، وعلى بعد أمتار قليلة، ظهرت عشرات الوجوه الشاحبة. وجوه بشرية بأعين مجوفة وأفواه مفتوحة كأنها تصرخ صراخاً صامتاً. فرك يوسف عينيه ونظر مباشرة إلى الماء، فلم يجد شيئاً سوى السواد. عاد لينظر عبر الشاشة، وكانت الوجوه قد اقتربت أكثر، وأصبحت ملامحها أكثر وضوحاً ورعباً.

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحفي تلك اللحظة، انطلق صوت غريب من جهاز التسجيل. لم يكن مجرد تشويش، بل كان صوتاً خافتاً، مشروخاً، يتردد ببطء: "يوسف... يوسف... تعال إلينا... المكان بارد هنا... بارد جداً".

تراجع يوسف خطوة إلى الخلف، وضغطت يداه على الكشاف بعبث. بدأ قلبه يخفق بشدة، وشعر ببرودة مفاجئة تخترق ملابسه لتلامس جلده. حاول الالتفات ليعود أدراجه، لكن قدميه شعرتا بثقل غريب، كأن الأرض تحولت إلى طين لزج يبتلعه.

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحالتفت مرة أخرى نحو البحيرة، ورأى ضباباً كثيفاً يرتفع من سطح الماء، يتشكل على هيئة أطياف بشرية هائمة. ومن وسط هذا الضباب، امتدت يد بيضاء شاحبة، ذات أصابع طويلة ونحيلة، ولامست سطح الماء برفق، ثم بدأت تتقدم نحوه.

حاول يوسف الصراخ، لكن صوته انقطع في حلقه. الرعب شل حباله الصوتية. تذكر كلمات العجوز مصطفى، وعرف أن الخرافة حقيقة، وأن البحيرة ليست مجرد ماء، بل هي سجن للأرواح المعذبة التي تبحث عن رفيق جديد.

بجهد جهيد، استجمع يوسف ما تبقى من قوته، وسحب قدمه الثقيلة متراجعاً للوراء، لكنه تعثر بجذر شجرة ساقط وسقط أرضاً. سقط الكشاف من يده وانكسر، ليغرق المكان في ظلام دامس، باستثناء ضوء شاشة الكاميرا الذي كان يضعف تدريجياً.

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحزحف يوسف للخلف على ركبتيه، بينما كانت الأصوات تزداد صخباً في أذنيه، لم تعد همساً، بل أصبحت صراخاً جماعياً يصم الآذان، يناديه باسمه ويطالبه بالانضمام إليهم. رأى الطيف الضبابي يقف فوقه مباشرة، ووجهه الخالي من الملامح يقترب من وجهه، مشيعاً برودة الموت.

أغمض يوسف عينيه واستسلم لمصيره، محاولاً نطق أي آية أو ذكر ينجيه. وفجأة، دوى صوت عيار ناري في الأفق، تبعه ضوء شعاع قوي من مصباح يدوي آخر. كان العجوز مصطفى قد وصل برفقة عدد من رجال القرية المسلحين بالمشاعل.

image about بحيرة الموتي وسجن الاشباحتراجع الضباب فجأة وعادت المياه إلى سكونها المعهود مع وصول الضوء والنار. وجد الرجال يوسف مغمى عليه على الضفة، وجسده مغطى بطبقة رقيقة من الصقيع رغم دفء الجو.

استيقظ يوسف في المستشفى بعد يومين، وجسده يرتجف كلما تذكر تلك الليلة. لم ينطق بكلمة واحدة عما رآه، وحزم أمتعته ورحل عن القرية دون رجعة. أما جهاز التسجيل والكاميرا، فقد تركا خلفه على ضفة البحيرة. ويقول سكان القرية إن من يقترب من البحيرة في الليالي المظلمة، لا يزال يسمع صوت جهاز التسجيل يعيد بث نفس الهمسات، متبوعاً بصوت جديد يشبه تماماً صوت يوسف وهو يصرخ طلباً للنجدة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
صلاح شعيشع تقييم 5 من 5.
المقالات

17

متابعهم

138

متابعهم

395

مقالات مشابة
-