البيت الذي لا ينام
البيت الذي لا ينام
لم يكن أحد في القرية يقترب من البيت القديم بعد غروب الشمس.
كان البيت في نهاية الطريق، خلف صف طويل من الأشجار اليابسة. بابه أسود، ونوافذه مغلقة دائمًا، حتى في أكثر ليالي الصيف حرارة.
وكان هناك تحذير يتناقله أهل القرية منذ سنوات:
"لو سمعت حد بينادي اسمك من جوّه البيت... ما تردش."
لم يصدق ياسين هذه الحكاية.
كان في السابعة عشرة من عمره، ويحب اكتشاف الأماكن المهجورة. وفي إحدى الليالي، تحداه أصدقاؤه أن يدخل البيت ويصور فيديو من الداخل.
ضحك ياسين وقال:
— "خمس دقايق وأكون راجع."
وصل إلى البيت عند منتصف الليل.
دفع الباب ببطء…
دخل.
كان المكان مظلمًا وباردًا بشكل غريب.
أخرج هاتفه وأشعل المصباح.
غرفة...
ثم ممر طويل...
ثم درج يؤدي إلى الطابق العلوي.
وفجأة سمع صوتًا خافتًا خلفه:
— "ياسين..."
تجمّد في مكانه.
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
ابتلع ريقه وقال:
— "أكيد سمعت غلط."
واصل السير.
عندما وصل إلى أعلى الدرج، وجد بابًا صغيرًا لم يلاحظه من الأسفل.
كان الباب مفتوحًا قليلًا.
اقترب منه.
ومن خلف الباب جاء صوت طفل:
— "ياسين... تعالى."
تراجع خطوة.
تذكر كلام أهل القرية.
لا ترد.
أغلق الباب بسرعة وركض نحو السلم.
لكن عندما وصل إلى الأسفل...
وجد نفسه أمام الباب نفسه.
توقف.
نظر حوله.
الممر الذي دخل منه اختفى.
لم يعد هناك سوى الباب الصغير.
وفجأة أضاء هاتفه وحده.
ظهرت على الشاشة صورة للبيت من الخارج.
ثم بدأت الصورة تتحرك ببطء...
حتى وصلت إلى نافذة الطابق الثاني.
كان هناك شخص يقف خلف الزجاج.
شخص يشبه ياسين تمامًا.
رفع يده...
وطرق على النافذة.
ثم ظهر على شاشة الهاتف:
"أنت مش جوّه البيت... أنت جوّه الصورة."
سقط الهاتف من يده.
وفي اللحظة نفسها...
سمع ياسين صوت الباب الرئيسي يُفتح.
وصوت أصدقائه من الخارج:
— "ياسين! افتح الباب!"
ركض نحو الصوت بكل قوته.
وصل إلى الباب.
فتحه.
كان أصدقاؤه واقفين أمامه.
تنفس ياسين براحة.
قال أحدهم:
— "إنت كنت جوّه كام دقيقة؟"
نظر ياسين إلى ساعته.
كانت الساعة 12:07.
قال:
— "يمكن عشر دقايق."
تبادل أصدقاؤه النظرات.
ثم قال أحدهم بصوت مرتجف:
— "ياسين... إحنا بقالنا ثلاث ساعات مستنيينك."
رفع ياسين عينيه نحو البيت.
كانت كل النوافذ مظلمة.
إلا نافذة واحدة...
نافذة الطابق الثاني.
كان يقف خلفها شخص يشبهه تمامًا.
ويبتسم.
ثم رفع يده ببطء...
وأشار إلى ياسين.
رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة.
كانت هناك رسالة جديدة من رقم مجهول:
"المرة الجاية... ما تخرجش لوحدك."
قرر ياسين وأصدقاؤه الابتعاد عن المكان فورًا.
لكن قبل أن يخطوا أول خطوة، وصلتهم رسالة جماعية على هواتفهم جميعًا.
كانت صورة لهم وهم واقفون أمام البيت.
تجمد ياسين.
قال:
— "مين اللي صورنا؟"
نظروا إلى الصورة.
كانت ملتقطة من داخل البيت.
وفي خلفية الصورة كان يقف شخص يشبه ياسين.
لكن ياسين نفسه كان ظاهرًا أيضًا في مقدمة الصورة.
قال أحد أصدقائه:
— "إحنا... كام واحد في الصورة؟"
لم يجب أحد.
وفجأة انطفأت هواتفهم جميعًا.
ومن داخل البيت جاء صوت هادئ:
— "أربعة."
نظروا إلى بعضهم.
كانوا ثلاثة فقط.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
— "بس واحد منكم... مش هو ياسين."
تراجع ياسين خطوة.
وفي اللحظة نفسها بدأ أحد أصدقائه يضحك.
ضحكة هادئة وغريبة.
نظر إليه ياسين وقال:
— "إنت بتضحك ليه؟"
توقف صديقه عن الضحك.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال:
— "أنا مش عارف."
عاد هاتف ياسين للعمل.
ظهرت عليه رسالة واحدة:
"متبصش وراك."
تجمّد.
لأنه شعر بأن شخصًا يقف خلفه.
اقترب الصوت من أذنه وهمس:
— "اتأخرت يا ياسين."
أغمض عينيه.
ثم استدار.
لم يكن هناك أحد.
وحين فتح عينيه مرة أخرى...
اختفى البيت.
اختفى أصدقاؤه.
واختفى الطريق.
كان واقفًا وحده أمام مرآة ضخمة.
نظر إلى انعكاسه.
كان ياسين واقفًا أمام المرآة...
لكن انعكاسه لم يتحرك.
ظل يحدق فيه.
ثم رفع الانعكاس يده وكتب بإصبعه على سطح المرآة:
"أنت خرجت..."
توقف لحظة.
ثم أضاف:
"...لكن مش أنت اللي خرجت."
صرخ ياسين وضرب المرآة.
تحطمت إلى قطع.
وفي اللحظة نفسها...
وجد نفسه واقفًا أمام البيت مرة أخرى.
كان الصباح قد بدأ.
لم يكن هناك أصدقاء.
ولا سيارة.
ولا حتى آثار أقدام.
فقط هاتفه على الأرض.
التقطه.
وجد فيديو جديدًا محفوظًا تلقائيًا.
شغله.
ظهر ياسين في الفيديو وهو يدخل البيت.
ثم ظهر وهو يصعد الدرج.
ثم ظهر وهو يفتح الباب الصغير.
لكن الفيديو لم يتوقف.
استمر.
ظهر ياسين وهو يخرج من البيت.
ثم يمشي بعيدًا.
ثم يتوقف أمام الكاميرا وينظر إليها.
اقترب وجهه من الشاشة وقال:
— "لو شفت الفيديو ده..."
صمت لثوانٍ.
ثم ابتسم ابتسامة غريبة:
— "ما تدورش عليّ."
انتهى التسجيل.
نظر ياسين إلى تاريخ الفيديو.
تجمد.
كان التاريخ:
غدًا.
رفع عينيه نحو البيت.
كانت كل النوافذ مظلمة.
إلا نافذة واحدة.
وقف خلفها شخص.
يشبه ياسين تمامًا.
رفع يده...
وطرق على الزجاج.
طق... طق... طق.
رن هاتف ياسين مرة أخرى.
رسالة جديدة:
"دلوقتي فهمت؟"
ثم رسالة ثانية:
"البيت مش بيحب يدخل حد..."
ظهرت الرسالة الأخيرة ببطء:
"...البيت بيحب يبدّلهم."
رفع ياسين رأسه نحو النافذة.
كان الشخص الذي يشبهه لا يزال هناك.
لكن هذه المرة...
كان يبتسم.
ومنذ ذلك اليوم، لم يرَ أحد ياسين مرة أخرى.
أما البيت...
فأصبح له بابان.
مع أن أهل القرية يؤكدون أنه لم يكن له سوى باب واحد طوال عمره.
والأغرب...
أن كل ليلة، عند الساعة 12:07 بالضبط، تضيء إحدى نوافذه.
ويظهر خلف الزجاج شخص يشبه ياسين.
لكن لا أحد يعرف:
هل الذي يقف خلف النافذة هو ياسين الحقيقي؟
أم أن ياسين الحقيقي...
ما زال داخل البيت؟
وفي إحدى الليالي، اقترب طفل من البيت وسمع طرقًا على النافذة:
طق... طق... طق.
ثم جاء صوت من الداخل:
— "حد يفتحلي؟"
لكن الطفل لم يعرف أن الصوت لم يكن صوت ياسين.
كان صوت أحد أصدقائه.
أما ياسين...
فكان يقف خلف نافذة أخرى.
ينظر إلى الطفل.
ولا يستطيع الكلام.
وفجأة، رفع ياسين إصبعه أمام فمه، وكأنه يحذره من شيء.
ثم ظهرت خلفه في الظلام...
ثلاثة أشخاص يشبهونه تمامًا.
وانطفأت النافذة.
النهاية... أم البداية؟
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق