الاسم الذي نسي صاحبه

 

 

كانت سارة تكره الانتقال، لكنها لم تستطع رفض قرار الشركة. فالترقية التي حلمت بها سنوات جاءت مشروطة بالعمل في الفرع الجديد، بمدينة لم تزرها من قبل.

وصلت مع غروب الشمس. كان المجمع السكني المخصص للموظفين هادئًا بصورة غير مريحة، حتى صوت الريح بدا مكتومًا، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا.

استقبلها الحارس، سلّمها بطاقة الدخول ومفتاح الشقة، ثم قال وهو يوقع على الأوراق:

“إذا سمعتِ أحدًا ينادي اسمك بعد منتصف الليل... لا تجيبي.”

ابتسمت سارة وقالت ضاحكة:

“أهذه من تعليمات الشركة أيضًا؟”

رفع رأسه إليها للحظة، ثم قال بجدية:

“لا... هذه نصيحتي.”

لم يُضف كلمة أخرى.

دخلت الشقة رقم 47.

كانت مرتبة بعناية، ورائحة المنظفات تملأ المكان. وضعت حقيبتها بجوار الأريكة، وأخذت جولة سريعة. غرفة نوم، مطبخ صغير، وشرفة تطل على مدينة يغطيها الضباب.

كل شيء بدا طبيعيًا…

إلا المرآة.

كانت معلقة في الممر، أكبر من اللازم، وكأنها لا تنتمي إلى تلك الشقة.

وقفت أمامها وعدلت شعرها، ثم دخلت غرفة النوم.

بعد دقائق، مرت أمام المرآة مرة أخرى.

توقفت.

كانت ترى نفسها…

لكن حقيبتها ما زالت بجوار الأريكة في الانعكاس.

استدارت.

الحقيبة لم تكن هناك.

وجدتها داخل غرفة النوم.

ترددت لحظة، ثم أقنعت نفسها بأنها نقلتها دون أن تنتبه بسبب الإرهاق.

في الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، استيقظت على صوت امرأة تهمس:

“هالة...”

فتحت عينيها.

ساد الصمت.

ثم عاد الصوت، أوضح هذه المرة:

“هالة... افتحي الباب.”

نهضت ببطء، واتجهت نحو الباب.

وضعت يدها على المقبض.

قبل أن تفتحه، تذكرت كلمات الحارس.

تراجعت.

في اللحظة نفسها، اختفى الصوت.

في الصباح، ذهبت إلى العمل.

كان زملاؤها لطفاء، لكن شيئًا أربكها.

قالت إحدى الموظفات:

“الحمد لله أنكِ عدتِ يا هالة.”

ابتسمت سارة وقالت:

“أنا سارة.”

نظرت الموظفة إليها باستغراب شديد، ثم اعتذرت، لكنها ظلت طوال اليوم تناديها بالاسم نفسه.

حتى مديرها أخطأ مرتين.

وعندما عادت إلى الشقة، كان السؤال يطاردها:

من هي هالة؟

في الليلة الثانية، قررت أن تلتقط صورة للمرآة بهاتفها.

ظهرت الصورة طبيعية.

لكن عندما كبرتها…

كان هناك شيء يقف خلفها.

امرأة ترتدي بدلة عمل سوداء.

وجهها غير واضح.

لكنها كانت تبتسم.

استدارت سارة بسرعة.

لم يكن أحد هناك.

وعندما أعادت النظر إلى الهاتف…

اختفت المرأة من الصورة.

في الليلة الثالثة، انقطعت الكهرباء.

لم يبقَ سوى ضوء القمر يتسلل من النافذة.

وفجأة…

سمعت صوت خطوات في الممر.

خطوة…

ثم أخرى…

حتى توقفت أمام باب غرفتها.

بدأ المقبض يتحرك ببطء.

تجمدت في مكانها.

لكن الباب لم يُفتح.

وبدلًا من ذلك، جاء صوت خافت من خلفه:

“هل تذكرتِ اسمك؟”

لم تجب.

عاد الصوت:

“لا بأس... كلنا نسيناه في البداية.”

في صباح اليوم التالي، قررت الرحيل.

وضعت ملابسها في الحقيبة، ثم أخرجت بطاقة هويتها من المحفظة.

توقفت.

لم يكن مكتوبًا عليها اسم سارة.

بل…

هالة منصور.

أسقطت البطاقة من يدها.

أخرجت رخصة القيادة.

الاسم نفسه.

فتحت هاتفها.

كل الصور التي تجمعها بعائلتها اختفت.

حلّت محلها صور لها مع أشخاص لا تعرفهم، أمام مبنى الشركة نفسه.

وكان تاريخ الصور يعود إلى خمس سنوات.

ركضت خارج الشقة.

أوقفت أول سيارة أجرة.

قالت وهي تلهث:

“إلى محطة القطار... بسرعة.”

نظر السائق إليها عبر المرآة وقال:

“أي محطة يا أستاذة هالة؟”

صرخت:

“اسمي سارة!”

قطب حاجبيه وقال:

“هل أنتِ بخير؟”

أخرجت هاتفها لتريه بطاقة الشركة.

تجمدت.

كانت الصورة صورتها…

لكن الاسم:

هالة منصور.

عادت مسرعة إلى الشقة.

وقفت أمام المرآة.

هذه المرة…

لم ترَ نفسها.

رأت امرأة أخرى.

كانت تنظر إليها بعينين دامعتين.

وضعت المرأة كفها على الزجاج.

ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع:

“لا تدعيه يأخذ اسمك.”

ظهر خلفها ظل طويل.

لا ملامح له.

لا وجه.

ولا عينان.

مجرد هيئة سوداء.

اقترب منها.

ثم وضع يده فوق رأسها.

اختفت المرأة.

وفي اللحظة نفسها…

ظهر انعكاس سارة من جديد.

لكنها لم تعد تتذكر…

ما هو اسمها الحقيقي.

بعد أسبوع، وصلت موظفة جديدة إلى المجمع.

استلمت مفتاح الشقة رقم 47.

وقبل أن تصعد، سألت الحارس:

“هل كانت الشقة فارغة؟”

هز رأسه ببطء وقال:

“منذ سنوات.”

في تلك اللحظة، مرت امرأة ترتدي بدلة عمل سوداء بجوارهما.

ابتسمت للموظفة الجديدة وقالت:

“مرحبًا... أنا هالة، وسأكون مسؤولة عن تدريبك.”

ابتسمت الموظفة وردّت التحية.

أما الحارس…

فنظر إليها شاحب الوجه.

لأنه كان متأكدًا من شيء واحد…

هالة ماتت قبل خمس سنوات.