لقد إستيقظ الظل

لقد إستيقظ الظل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

لقد إستيقظ الظل ……

الفصل الثاني

 

القسم الأول: بداية المطاردة

 

 

مر يومان منذ اختفاء مريم.

لم يعد يسمع أحد صوت خطواتها في الحي، ولم تعد نافذة غرفتها الصغيرة تُفتح مع شروق الشمس كما اعتاد الجيران.

في صباح اليوم الثالث، وقفت الحاجة أمينة أمام منزل نجلاء.

طرقت الباب مرتين.

فتحت نجلاء وهي تحمل فنجان قهوتها.

ابتسمت الحاجة أمينة ابتسامة متعبة وقالت:

“صباح الخير يا مدام.”

“صباح النور.”

ترددت قليلًا قبل أن تسأل:

“مريم عندك؟”

ارتبك وجه نجلاء للحظة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.

“لا... خلصت شغلها ومشيت زي كل يوم.”

عقدت الحاجة أمينة حاجبيها.

“غريبة... البيت مقفول من يومين، وكل هدومها ولسه مكانها.”

وقفت رنا خلف أمها تستمع إلى الحديث، وشعرت بقلبها يخفق بعنف.

قالت بسرعة محاولة إنهاء الحديث:

“يمكن راحت عند حد من قرايبها.”

نظرت إليها العجوز باستغراب.

“قرايبها ماتوا من سنين.”

ساد صمت ثقيل.

اعتذرت أمينة وانصرفت، لكن شيئًا في داخلها كان يخبرها أن هناك أمرًا لا يُقال.

 

---

مع حلول المساء…

دخلت قسم الشرطة.

جلست أمام الضابط المناوب وقالت بصوت حزين:

“البنت دي يتيمة... ولو محدش دور عليها، محدش هيسأل فيها.”

بدأت الشرطة البحث في صباح اليوم التالي.

فتشوا غرفة مريم الصغيرة.

كانت كما تركتها.

سرير مرتب.

ملابس معلقة.

رغيف خبز يابس فوق الطاولة.

وكوب ماء لم يمسه أحد.

زاروا الحي وسألوا السكان.

ثم وصلوا إلى منزل نجلاء.

استقبلتهم بابتسامة هادئة.

“اتفضلوا.”

قال الضابط:

“آخر مرة شوفتي فيها مريم كانت إمتى؟”

“من أسبوع تقريبًا... خلصت الشغل وقالت إنها راجعة البيت.”

كتب الضابط ملاحظاته.

ثم التفت إلى رنا.

كانت شاحبة بصورة لفتت انتباهه.

“وأنتِ... كنتِ موجودة؟”

بلعت ريقها.

“أيوه... بس خرجت قبل ما تمشي.”

نظر إليها لثوانٍ.

ثم أغلق دفتره.

لم يجد ما يدعو للشك.

غادر المنزل.

أما خلف البيت…

فكان الكوخ الخشبي يقف صامتًا.

لم يخطر ببال أحد أن يفتحه.

 

---

مرت الأيام.

استمرت التحريات.

لكنها لم تسفر عن شيء.

لا شهود.

لا كاميرات.

لا أثر.

بعد أسبوعين…

أُغلق ملف القضية.

وسُجلت مريم رسميًا ضمن قائمة المفقودين.

كانت الحاجة أمينة تبكي كلما مرت أمام بيتها.

أما نجلاء…

فحاولت أن تقنع نفسها أن كل شيء انتهى.

لكن الحقيقة…

كانت قد بدأت للتو.

 

---

في تلك الليلة…

استيقظت رنا فجأة.

شعرت بأن غرفتها باردة على غير العادة.

مدت يدها نحو الهاتف.

الثالثة تمامًا.

تنهدت.

“مجرد حلم...”

وقبل أن تكمل عبارتها…

سمعت صوتًا خافتًا.

...طَق…

جلست في سريرها.

نظرت نحو الباب.

لم يكن هناك شيء.

مرت عدة ثوانٍ.

ثم عاد الصوت.

...طَق... طَق…

كأن أحدًا يطرق بابًا خشبيًا من مكان بعيد.

حبست أنفاسها.

كان الصوت يأتي من الحديقة.

من اتجاه الكوخ.

أغلقت أذنيها بالوسادة.

لكن الطرق استمر.

ثم…

سمعت همسة ضعيفة.

“رنا...”

قفزت من السرير وأشعلت الضوء.

اختفى كل شيء.

 

---

في الصباح…

كانت عيناها محمرتين.

جلست إلى المائدة دون أن تلمس الطعام.

لاحظت نجلاء ذلك.

“مالك؟”

هزت رأسها.

“مفيش.”

“واضح إن فيه.”

صمتت لحظة ثم قالت:

“بسمع صوت حد بينادي اسمي بالليل.”

توقفت نجلاء عن الأكل.

لكنها تماسكت.

“ده بسبب اللي حصل.”

“أنا مش مجنونة يا ماما.”

قالتها رنا وهي تكاد تبكي.

“الصوت حقيقي.”

وضعت نجلاء يدها فوق يد ابنتها.

“انسِي الموضوع... وهيروح لوحده.”

لكنها كانت تقول ذلك لابنتها…

ولنفسها أيضًا.

 

---

في الليلة التالية…

لم تنم رنا.

جلست تراقب الساعة.

02:58

02:59

ثم…

03:00

في اللحظة نفسها…

عاد الطرق.

لكن هذه المرة…

كان أقرب.

ليس من الحديقة.

بل من داخل المنزل.

...طَق…

...طَق…

خرجت من غرفتها وهي ترتجف.

كان الممر مظلمًا.

رغم أن المصابيح مضاءة.

بدت الإضاءة خافتة بشكل غريب.

ثم رأت…

أثر قدم مبتلة.

على الأرض.

ثم أثرًا ثانيًا.

وثالثًا.

كانت الآثار تتجه نحو نهاية الممر…

حيث النافذة المطلة على الحديقة.

اقتربت ببطء.

نظرت إلى الخارج.

كان الكوخ ساكنًا.

لكن بابه…

كان مفتوحًا.

رغم أنها تتذكر جيدًا أن أمها أغلقته بنفسها.

ارتجف جسدها.

وفي اللحظة التي همّت فيها بإغلاق النافذة…

سمعت صوتًا خلفها.

همسة بالكاد تُسمع.

“لماذا تركتِني وحدي؟”

التفتت بسرعة.

لم يكن أحد هناك.

ركضت إلى غرفة أمها.

طرقت الباب بعنف.

فتحت نجلاء وهي منزعجة.

“في إيه؟”

ألقت رنا نفسها بين ذراعيها وهي تبكي.

“هى رجعت...”

قطبت نجلاء حاجبيها.

“مين؟”

رفعت رنا رأسها ببطء.

كانت شفتاها ترتجفان.

ثم قالت بصوت يكاد يختفي:

“مريم...”

ساد الصمت.

شعرت نجلاء بقشعريرة تسري في جسدها.

للحظة…

تذكرت تلك اليد الضعيفة التي امتدت من داخل الكوخ وهي تستنجد بها.

هزت رأسها بعنف.

“لا...”

همست لنفسها أكثر مما قالت لابنتها.

“مريم ماتت...”

لكن في أعماقها…

كانت تعرف أن أكثر ما يخيفها…

ليس احتمال عودة مريم.

بل احتمال أن يكون ما فعلته بها…

قد عاد ليطالب بثمنه.

يتبع في القسم الثاني…

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

5

مقالات مشابة
-