الساعة التي لا تتوقف
الساعة التي لا تتوقف
كان كريم يحب الأشياء القديمة، وكان دائمًا يعتقد أن لكل شيء قديم قصة مخفية.
في أحد الأيام، كان يرتب المخزن في منزل عائلته، فعثر على صندوق خشبي صغير مغطى بالغبار.
فتح الصندوق، فوجد بداخله ساعة حائط قديمة.
كانت الساعة مختلفة عن أي ساعة رآها من قبل. إطارها خشبي داكن، وأرقامها باهتة، وعقاربها متوقفة عند:
12:13

حاول كريم تحريك العقارب، لكنها لم تتحرك.
ضغط على زر صغير خلف الساعة، وفجأة بدأت تعمل.
تك... تك... تك...
أخذها إلى غرفته وعلقها على الحائط.
في تلك الليلة، نام كريم بسرعة.
لكن عند الساعة 12:13، استيقظ فجأة.
لم يكن يعرف لماذا استيقظ.
الغرفة كانت هادئة.
نظر إلى الساعة.
العقارب متوقفة.
ثم سمع صوتًا خافتًا:
دق... دق... دق...
نظر ناحية باب غرفته.
لا أحد.
عاد للنوم.
في الليلة التالية حدث الشيء نفسه.
وفي الليلة الثالثة، قرر كريم ألا ينام.
جلس على سريره، ووضع هاتفه أمامه، وبدأ يصور الساعة.
كانت الساعة تشير إلى 12:12.
مرت دقيقة.
وصلت إلى 12:13.
وفجأة توقف تسجيل الهاتف.
نظر كريم إلى الشاشة باستغراب.
حاول تشغيل الفيديو مرة أخرى.
ظهر التسجيل...
لكن بدلًا من تصوير الساعة، كانت الكاميرا تصور كريم نفسه وهو نائم على السرير.
تجمد مكانه.
كان الفيديو بتاريخ الليلة نفسها.
ثم ظهر شيء في آخر الفيديو.
شخص يقف بجوار الساعة.
لم يستطع كريم رؤية وجهه.
اقترب من الشاشة.
وفي اللحظة التي ظهر فيها الشخص أمام الكاميرا، انتهى الفيديو.
ثم اهتز الهاتف.
وصلت رسالة من رقم مجهول:
"ماتصورش الساعة تاني."
كتب كريم:
"إنت مين؟"
جاء الرد:
"أنا كنت مكانك."
سأل:
"مكانّي فين؟"
لم يصل رد.
وبعد لحظات ظهرت رسالة أخرى:
"قبل 12:20 لازم تعرف الحقيقة."
نظر كريم إلى الساعة.
كانت تشير إلى 12:14.
بدأ يشعر بالخوف.
ذهب إلى والدته وسألها عن الساعة.
تغير وجهها بمجرد أن رأت الصورة.
قالت:
"إنت جبت الساعة دي منين؟"
أخبرها كريم أنه وجدها في المخزن.
سكتت والدته للحظات، ثم قالت:
"الساعة دي كانت لجدك."
سألها كريم:
"وإيه اللي حصل له؟"
لم تجبه.
فقط قالت:
"شيل الساعة من أوضتك."
لكن قبل أن تكمل كلامها...
سمعا معًا صوتًا قادمًا من غرفة كريم.
تك... تك... تك...
ذهبا إلى الغرفة.
كانت الساعة تتحرك.
12:15.
اقتربت والدته منها وقالت:
"دي مستحيل تكون اشتغلت لوحدها."
ثم لاحظت شيئًا مكتوبًا خلف الساعة.
رفعت يدها ومسحت الغبار.
ظهر نقش صغير:
"من يعبر الدقيقة الأخيرة... لا يعود."
تراجع كريم.
سأل:
"يعني إيه؟"
قالت والدته:
"معرفش."
لكن صوتها كان يرتجف.
في تلك اللحظة، تغيرت الساعة.
بدلًا من أن تتحرك عقاربها للأمام...
بدأت تتحرك بسرعة.
12:16
12:17
12:18
ثم توقفت.
أصبح المنزل هادئًا تمامًا.
وفجأة انطفأت الكهرباء.
صرخت والدته.
أضاء كريم هاتفه.
نظر إلى الساعة.
كانت تشير إلى:
12:19
ثم سمع صوتًا من داخل الساعة.
صوت طرقات.
دق... دق... دق...
ثم صوت كريم نفسه.
لكن الصوت كان قادمًا من داخل الساعة:
"ماما..."
نظر كريم إلى والدته.
كانت واقفة بجواره.
قال الصوت مرة أخرى:
"ماما... افتحي."
اقتربت والدته من الساعة.
أمسك كريم بيدها ومنعها.
قال:
"ده صوتي... بس أنا هنا."
فجأة ظهر وجه خلف زجاج الساعة.
كان يشبه كريم.
نفس الشعر.
نفس الملابس.
نفس الملامح.
لكن عينيه كانتا تنظران إليهما بخوف.
ثم كتب إصبعه على الزجاج من الداخل:
"ساعدوني."
قالت والدته:
"لازم نكسرها."
أمسكت شيئًا ثقيلًا.
وقبل أن تضرب الساعة...
تحركت العقارب.
12:20.
توقفت الساعة.
وساد صمت كامل.
ثم انفتح باب الغرفة وحده.
نظر كريم إلى الخارج.
لم يرَ الممر.
بل رأى نفس الغرفة...
لكنها كانت قديمة ومظلمة.
وفي وسطها كان هناك رجل يجلس أمام الساعة.
كان الرجل يشبه جده.
رفع الرجل رأسه وقال:
"أخيرًا... حد وصل."
تراجع كريم.
قال الرجل:
"الساعة مش بتحبس الناس."
سأل كريم:
"أمال بتعمل إيه؟"
ابتسم الرجل وقال:
"بتحبس الوقت."
ثم أشار إلى الساعة.
"كل شخص يسمع دقاتها عند 12:13 يدخل دقيقة واحدة من الزمن لا يعرفها أحد."
قال كريم:
"وإزاي أرجع؟"
رد الرجل:
"لازم الساعة ترجع لـ12:13 قبل ما تبدأ من جديد."
بدأت الغرفة تهتز.
وعادت العقارب تتحرك.
12:19...
ثم 12:18...
ثم 12:17...
كان الوقت يعود إلى الخلف.
أمسك كريم بالساعة وحاول إيقاف العقارب.
وفجأة سمع صوتًا خلفه:
"متلمسهاش."
استدار.
رأى نفسه واقفًا خلفه.
نسخة أخرى منه.
قالت النسخة:
"لو رجعت الساعة، واحد بس فينا هيرجع."
توقف كريم.
نظر إلى النسخة.
ثم إلى الساعة.
بدأت العقارب تقترب من 12:13.
وفي اللحظة الأخيرة، اتخذ كريم قرارًا.
أمسك الساعة وأدار العقارب بنفسه.
12:13.
انطفأ كل شيء.
فتح كريم عينيه.
كان في غرفته.
الشمس مشرقة.
والساعة معلقة على الحائط.
اقترب منها.
كانت متوقفة عند 12:13.
تنفس براحة.
ثم لاحظ شيئًا صغيرًا مكتوبًا على الزجاج:
"المرة القادمة... مش هتكون أنت."
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف كريم.
وصلته رسالة من رقم مجهول:
"ممكن تفتحلي باب الأوضة؟"
نظر كريم إلى باب غرفته.
كان الباب مغلقًا.
ثم جاءت ثلاث طرقات:
دق... دق... دق...
ومن خلف الباب جاء صوت يشبه صوت كريم تمامًا:
"أنا رجعت."
ظل كريم واقفًا أمام باب غرفته، لا يعرف ماذا يفعل.
الصوت جاء مرة أخرى:
"كريم... افتح."
كان الصوت مطابقًا لصوته تمامًا.
حتى طريقة نطقه للكلمات كانت نفسها.
اقترب كريم من الباب، لكنه لم يفتحه.
قال بصوت مرتجف:
"إنت مين؟"
جاء الرد فورًا:
"أنا أنت."
نظر كريم إلى الساعة.
كانت لا تزال متوقفة عند 12:13.
مد يده نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.
في تلك اللحظة وصلته رسالة جديدة على هاتفه:
"لو فتحت الباب، الساعة هتبدأ من جديد."
ثم وصلت رسالة ثانية:
"ولو الساعة بدأت... مش هتقدر توقفها المرة دي."
ابتعد كريم عن الباب.
فجأة بدأ المقبض يتحرك ببطء.
يمينًا...
ثم يسارًا...
ثم توقف.
قال الصوت من الخارج:
"فاكر إنك رجعت لوحدك؟"
صمت كريم.
ضحك الصوت.
ثم قال:
"بص في الساعة."
رفع كريم عينيه.
كانت العقارب تتحرك ببطء.
12:14
ثم توقفت.
بعدها تحركت مرة أخرى.
12:15
صرخ كريم:
"مستحيل!"
ركض إلى الساعة وحاول نزعها من الحائط.
لكن بمجرد أن لمسها، وجد نفسه في مكان آخر.
كان واقفًا في ممر طويل لا يعرفه.
الممر يشبه ممر منزله، لكنه كان أقدم بكثير.
على الجدران كانت هناك عشرات الساعات.
ساعة كبيرة.
ساعة صغيرة.
ساعات رقمية.
ساعات مكسورة.
وكلها كانت تشير إلى وقت واحد:
12:13
سمع خطوات خلفه.
استدار.
لم يكن هناك أحد.
ثم بدأت إحدى الساعات بالعمل.
تك... تك... تك...
اقترب منها.
كانت شاشة صغيرة تعرض كلمات بدل الوقت:
"الشخص الأول دخل."
ثم ساعة أخرى:
"الشخص الثاني حاول الهرب."
ثم ثالثة:
"الشخص الثالث نسي اسمه."
تراجع كريم.
فجأة سمع صوت رجل يقول:
"أنت الشخص الرابع."
استدار.
كان الرجل الذي يشبه جده واقفًا في نهاية الممر.
قال كريم:
"إيه المكان ده؟"
أجاب الرجل:
"ده المكان اللي بتروح له الدقائق اللي الناس بتضيع فيها."
قال كريم:
"وأنا أخرج إزاي؟"
رد الرجل:
"لازم تعرف مين اللي صنع الساعة."
سأل كريم:
"مين؟"
رفع الرجل يده وأشار إلى آخر الممر.
هناك كانت صورة قديمة معلقة على الحائط.
اقترب كريم منها.
كانت الصورة لرجل يقف بجوار الساعة.
وبجانبه طفل صغير.
تجمد كريم عندما تعرف على الطفل.
كان جده.
أما الرجل الذي بجواره...
فكان يشبه كريم تمامًا.
قال كريم:
"ده أنا؟"
رد الرجل:
"لا."
ثم ابتسم.
"ده أول شخص ظهر في الساعة."
اقترب كريم من الصورة أكثر.
لاحظ شيئًا لم يره من قبل.
الرجل الموجود في الصورة كان يمسك ورقة.
وعلى الورقة جملة:
"الساعة لا تأخذ الوقت... الساعة تأخذ الأشخاص."
فجأة انطفأت كل الساعات.
وبقيت ساعة واحدة فقط مضيئة.
كانت تشير إلى:
12:19
ثم ظهر صوت من خلف كريم:
"لسه عندك دقيقة."
استدار.
كان هناك عشرات الأشخاص يقفون في الممر.
لكن وجوههم كانت متشابهة.
كل واحد منهم كان يشبه كريم.
قالوا جميعًا في نفس اللحظة:
"اختار واحد بس يرجع."
تراجع كريم.
لم يعرف ماذا يفعل.
ثم سمع صوت أمه من بعيد:
"كريم!"
رفع رأسه.
كانت أمه تقف عند نهاية الممر.
صرخ:
"ماما!"
ركض نحوها.
لكن الرجل العجوز أمسك بذراعه.
وقال:
"دي مش والدتك."
توقف كريم.
نظر إلى المرأة.
ابتسمت له.
ثم قالت:
"تعالى يا كريم."
بدأ كريم يتراجع.
وفجأة تغير وجه المرأة إلى وجه النسخة التي كانت خلف باب غرفته.
قالت:
"اتأخرت."
ثم بدأت كل الساعات تدق في نفس الوقت.
تك... تك... تك... تك...
أمسك كريم أذنيه.
صرخ:
"عايز أرجع!"
قال الرجل:
"إذن لا تنظر خلفك."
ركض كريم في الممر.
لم ينظر للخلف.
كان يسمع خطوات خلفه.
مرة قريبة.
ومرة بعيدة.
وأصوات تناديه باسمه.
لكنه استمر في الركض.
حتى رأى بابًا مضيئًا في نهاية الممر.
فتح الباب.
وسقط على أرض غرفته.
فتح عينيه.
كانت الساعة أمامه.
12:13.
لم يتحرك.
دخلت والدته الغرفة وقالت:
"كريم؟"
نظر إليها.
هذه المرة كانت والدته حقيقية.
احتضنها بسرعة.
ثم أخبرها بكل شيء.
لكن والدته لم تصدقه.
قالت:
"إنت كنت نايم من امبارح."
نظر كريم إليها باستغراب.
"نايم؟"
قالت:
"أيوه... الساعة دلوقتي 8 الصبح."
نظر إلى الساعة.
كانت متوقفة عند 12:13.
ثم سمع صوتًا صغيرًا.
تك.
تحرك العقرب.
12:14.
تراجع كريم.
قال:
"ماما... اخرجي من الأوضة."
سألته:
"ليه؟"
رد:
"الساعة بدأت تشتغل."
خرجت والدته.
وبقي كريم وحده.
نظر إلى الساعة.
وصلت إلى:
12:15
ثم 12:16
ثم 12:17
بدأ كريم يشعر أن شيئًا ما يحدث خلفه.
لكنه لم يلتفت.
وصلت الساعة إلى:
12:18
ثم 12:19
وفجأة توقفت.
لم تصل إلى 12:20.
تنفس كريم براحة.
ثم ظهرت كلمات على زجاج الساعة:
"أحسنت."
ابتسم كريم للمرة الأولى.
لكن ظهرت جملة أخرى:
"بس نسيت حاجة."
اختفت الكلمات.
ثم ظهر انعكاس كريم على زجاج الساعة.
كان واقفًا داخلها.
وخلفه شخص آخر.
نظر كريم إلى الانعكاس.
كان الشخص يبتسم.
ثم رفع يده وكتب على الزجاج من الداخل:
"أنا اللي رجعت مكانك."
تجمد كريم.
وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا من خلفه:
دق... دق... دق...
استدار ببطء.
لم يكن هناك أحد.
نظر إلى الساعة مرة أخرى.
لم تعد الساعة متوقفة عند 12:13.
بل أصبحت تعمل بشكل طبيعي.
12:20.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يرى كريم كما كان من قبل.
كان يتصرف طبيعيًا.
يتحدث طبيعيًا.
ويضحك مع عائلته.
لكن والدته لاحظت شيئًا واحدًا.
كل ليلة، في تمام 12:13، كان كريم يستيقظ من نومه، يقف أمام الساعة، ويظل يحدق فيها لدقائق.
وفي إحدى الليالي، اقتربت منه وسألته:
"إنت بتعمل إيه؟"
استدار كريم ببطء.
ابتسم.
وقال:
"مستني دوري."
ثم انطفأت الساعة.
ومن داخلها جاء صوت طرق خافت:
دق... دق... دق...
لكن هذه المرة...
لم يكن الصوت من داخل الساعة.
كان الصوت يأتي من داخل كريم نفسه.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق