ليله بلا عوده

ليله بلا عوده
لم يكن الطريق إلى بلدة "هارو هيل" موجوداً على الخريطة، لكن جوزيف أقسم أنه رآها. كان عائداً بسيارته القديمة على طريق صحراء نيفادا الطويل، من لاس فيغاس إلى فلاجستاف في أريزونا، والضباب الكثيف يزحف على الطريق السريع 93 ككائن حي. فجأة توقف الـ GPS عن العمل، واختفت شبكة الهاتف تماماً، ثم لمع من بعيد ضوء أصفر باهت يخرج من نافذة كوخ خشبي قديم وحيد وسط صحراء موهافي المظلمة.
الكوخ كان يبدو مهجوراً منذ قرون، جدرانه متآكلة وسقفه من الخشب المتكسر، لكن الضوء كان مغرياً. البرد كان قارساً، ومؤشر البنزين على وشك النفاذ. نزل جوزيف وطرق الباب الخشبي.
انفتح الباب وحده بصوت صرير طويل ومزعج.
في الداخل، كان هناك رجل عجوز يجلس أمام طاولة عليها كوب قهوة يتصاعد منه البخار، وامرأة عجوز صامتة تحيك شيئاً لا يظهر بوضوح. وجهاهما شاحبان بشكل غير طبيعي وعيونهما غائرة.
قال العجوز بصوت خشن ومبحوح: “ادخل يا بني، كنا مستنيينك.”
ارتعش جوزيف. “مستنييني أنا؟”
"أي حد بيعدي من هنا في الليلة الحمراء، بنستناه." وأشار إلى النافذة. نظر جوزيف فوجد القمر قد أصبح أحمر كالدم، كبيراً بشكل مخيف يملأ سماء أريزونا السوداء.
جلس جوزيف مرغما. شرب القهوة وكان طعمها كالتراب المبلل والرماد. بدأ العجوز يحكي: “من خمسين سنة، في نفس الليلة دي، القمر احمر برضه، وجه مهندس من كاليفورنيا عشان يحفر بير بترول هنا. حذرناه، قلنا له الأرض دي ملعونة، اللي يبات فيها ما بيرجعش لبيته تاني. ضحك علينا. تاني يوم لقيناه ميت ووشه أزرق وعينيه مفتوحة على القمر.”
شعر جوزيف بالغرفة تبرد أكثر حتى تجمدت أنفاسه. لاحظ أن المرأة العجوز لا تتحرك أبداً، وأن خيط الحياكة الذي بيدها هو في الحقيقة شعر أسود طويل ومتشابك.
فجأة سمع صوت خطوات ثقيلة جداً في الدور العلوي، رغم أن الكوخ يبدو من الخارج دوراً واحداً متهالكاً فقط.
سأل بصوت مرتجف: “مين فوق؟”
ضحك العجوز وكشف عن أسنان سوداء متآكلة: “ده هو. المهندس. لسه فوق مستني حد يبدله عشان هو يعرف يمشي ويرتاح.”
انطفأ المصباح الوحيد فجأة. في الظلام الحالك، لم يعد جوزيف يرى العجوزين، لكنه سمع أنفاساً كثيرة جداً حوله، كأن الغرفة امتلأت بعشرات الأشخاص غير المرئيين. وشعر بيد باردة كالثلج تلمس كتفه وتضغط عليه بقوة.
صرخ وقام يجري نحو الباب، لكن الباب كان قد اختفى تماماً. الجدران كانت تتحرك وتقترب منه. صوت الخطوات من الأعلى أصبح يركض نزولاً على سلم غير مرئي.
وجد النافذة الوحيدة التي كان يخرج منها الضوء، وقفز منها بكل قوته، فسقط على رمال صحراء نيفادا الباردة. جرى نحو سيارته دون أن ينظر خلفه، وسمع خلفه ضحكة جماعية عالية وصرخة تقول: “هترجع!”
قاد السيارة بسرعة جنونية حتى وصل إلى أول محطة بنزين على طريق فلاجستاف. كان يرتجف ولا يستطيع الكلام. حكى للعامل عما حدث، فضحك العامل وقال: “كوخ إيه يا أستاذ؟ الحتة دي صحراء فاضية بقالها 20 سنة، مفيهاش أي مباني، دي كانت بلدة أشباح اسمها هارو هيل واتحرقت كلها سنة 1974.”
عاد جوزيف إلى شقته في فلاجستاف في الفجر، ودخل الحمام ليغسل وجهه. نظر في المرآة، فوجد أثر يد سوداء محفورة على كتفه، ولم تكن يده. وفي تلك اللحظة، رن هاتفه. رقم مجهول من كود ولاية نيفادا. فتح، فسمع نفس صوت العجوز يقول: “نسيت قهوتك يا جوزيف.. وهترجع الليلة الجاية تكملها. اللي بيشرب من عندنا، لازم يرجع.”
ومنذ ذلك اليوم، كلما اكتمل القمر وأصبح أحمر فوق صحراء أريزونا، يجد جوزيف نفسه واقفاً أمام نفس الكوخ الخشبي في الصحراء، حتى وهو نائم في سريره.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق